الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
500
مرآة الحقائق
--> - وبالشهادة الظاهر ، وحصل المقصود . وهنا مبحث آخر ؛ وهو من لطائف الغلم باللّه ، فأذكره لك : لا يفوتك علما فإنه ورد في الخبر : « إن أفضل الهديّة وأكمل العطيّة الكلمة من كلام الحكمة يسمعها العبد ثم يعلمها أخاه خير له من عبادة سنة على نيّتها » رواه تمام ، وابن عساكر رضي اللّه عنه ، ذكره في جمع الجوامع . فاعلم أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أن العالم ينقسم إلى : ظاهر وإلى باطن . ف ( الظاهر ) هو عالم الشهادة ، و ( الباطن ) هو عالم الغيب ، وقد سمّى اللّه تعالى الباطن بالأمر والظاهر بالخلق ، وقال : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] . وقال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . ف ( عالم الأمر ) هو عالم الغيب الذي هو الأسماء الذاتيّة ، ويليها أمهات أسماء الألوهيّة وتوابعها ، وكل واحد منها حجاب عن الآخر ، وصف نفسه تعالى باعتبار هاتين العالمين : أي الظاهر والباطن ، أو الغيب والشهادة بأن له الحجب النوريّة التي هي الأرواح ، والظلمانيّة التي هي الأجسام ، فكل واحد منهما حجاب عن الآخر ، فإذا اعتبرتهما خلقا وأمرا ، ولطيفا وكثيفا ؛ إنما اعتبرتهما من حيث الأسماء ، وهي سلسلة الترتيب والوسائط المتكثّرة . فبهذا الوجه يكثر الوجود ؛ وهو ظاهر الخلافة التي منه تكثر ، وأمّا إذا اعتبرتهما ؛ أي العالمين الخلق الأمر ، وإن شئت قلت : عالم الغيب والشهادة حقّا ؛ أعني من الوجه الخاص زالت الكثرة وارتفعت الوسائط ، وذلك باعتبار أن ( الاسم ) عين المسمّى ، و ( الذات ) هي السارية في الكل ؛ كتعيّن الأسماء من حيث عدم التّغاير ، فاتّحدّ الكل من حيث أن الساري في الكل هو الذات ، فهذا باطن الخلافة ، والتجلّي منه تجلّ أقدس . وعلى هذا صحّ أن القرآن غير مخلوق من حيث ارتفاع الوسائط ، ومن حيث الإضافة إلى الاسم الذي عين المسمّى ، فصحّ له الوحدة مع تكثّر الألفاظ والحروف والآيات والسور ، وبذلك تكثر في وحدته ولم يوصف بالمخلوقيّة مع التكثّر ؛ لأنه ظهور الذات في المراتب بلا كيف . فالعالمان ؛ الغيب والشهادة أو الخلق والأمر إذا أضيفا إلى الذات بلا واسطة بطريق الوجه الخاص فهما واحد ، وإذا أضيفا إلى الأسماء ؛ فالشهادة : الخلق ، والغيب : الأمر ، فبهذا الاعتبار قلنا : إن الإنسان الكامل له الأخذ من اللّه تعالى بواسطة ؛ باعتبار الإضافة إلى الاسم ، وبلا واسطة ؛ باعتبار الأخذ من الوجه الخاص ، وإنما قلنا : الوجه الخاص ؛ لأنه مخصوص بالإنسان الكامل من دون الموجودات ؛ كالملك وغيره ، فإن له الإطلاق في الأخذ وغيره لكل منهم مقام معلوم لا يتعدّون مقاماتهم ؛ وذلك -