الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

498

مرآة الحقائق

علمه من ذاته لا من خارج ، وبسبب جلي أو خفي ؛ كما هو علم الناس . فالناس لا يعرفون إلا بتعريف اللّه تعالى ؛ فينحصر علومهم في مرتبة التعريف ، فادّعاء علم الغيب إن كان من مرتبة التعريف الإلهي ؛ لم يضره ، وإن كان ادّعاه مطلقا كان كافرا ؛ لأنه ادّعاء المشاركة مع اللّه تعالى في صفته الخاصة به ، فإذا كان هذا حاله في الكفر ؛ كان حال من اعتقده كذلك ، ومن هذا التقرير علم أن الإنسان محل التعريف الإلهي ؛ ولذا من قال : إن نبي اللّه لا يعلم الغيب ؛ فقد أخطأ فيما أصاب ؛ لأن اللّه تعالى قال : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] « 1 » .

--> ( 1 ) قال ابن ناصر الكيلاني رضي اللّه عنه : فعلم المحقّقون من خاصته ، والمعتني بهم من أهل قربه وكرامته بما كشف لهم ، وأطلعهم عليه من أسرار وجوده أولا ، وبما أخبر ثانيا : أنّ المراتب وإن كثرت فإنّها ترجع إلى هاتين المرتبتين ؛ وهما الغيب والشهادة والحقيقة جامعة بينهما ، فكل شيء له ظاهر ، فهو صورته وشهادته وباطن ، وهو روحه وغيبه . فنسبته جميع الصور على اختلاف أنواعها الخفيّة والجليّة إلى الاسم الظاهر المنعوت بالشهادة ، ونسبة جميع المعاني والحقائق المجرّدة ؛ التي هي أصول لما ظهر من الصور الجزئيّة المتعيّنة ، أو أسباب وشروط كيف شئت ؟ قلت : إلى الغيب والاسم الباطن ، فإذا عرفت هذا . فاعلم أنّ العالم عالمان ما ثم ثالث عالم يدركه الحس وهو : المعبّر عنه بالشهادة ، وعالم لا يدركه الحس وهو : المعبّر عنه بعالم الغيب المطلق . فإن كان مغيّبا في وقت للحسّ فلا يسمّى ذلك غيبا ، وإنّما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس أصلا ؛ لكن يعقل بالعقل ؛ إمّا بالدليل القاطع ، وإمّا بالخبر الصادق وهو إدراك الإيمان ، فالشهادة مدركها الحس وهو طريق العلم ما هو عين العلم ، وذلك يختص بكل ما سوى اللّه ممن له إدراك حسّي ، والغيب مدرك العلم عينه فافهم . فهذا الغيب الذي أثبتناه : هو الغيب المطلق الحقيقي الذي لا يظهر لأحد أصلا ولا لمن ارتضى من رسول ؛ لأنه حضرة ذاته وهويته تعالت وتقدّست عن أن يحاط وأن يتعلّق بها بها الإدراك أصلا من حيث هي هي ، فإنه من المتفّق عليه أن حقيقته لا تحاط بالعلم ولا تتقيّد بالوصف ، سبحانك ! ما عرفناك حق معرفتك . وهذا القدر من المعرفة المتعلقة بهذا الغيب المطلق ؛ إنما هي معرفة إجماليّة حاصلة بالكشف الأجليّ والتعريف الإلهيّ الأعلى الذي لا واسطة فيه غير نفس التجلّي المتعيّن من هذه الحضرة الغيبيّة -