الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
488
مرآة الحقائق
--> - وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى ، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا . وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء ، بل فناء الفناء لأنه فني عن نفسه ، وفني عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ، ولا بعدم شعوره بنفسه ، ولو شعر بعدم شعوره كان قد شعر بنفسه وتسمى هذه الحالة بالنسبة إلى المستغرق بها بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا وانظر : « مشكاة الأنوار » لأبي حامد الغزالي ، و « شرح الإحياء » للشيخ مرتضى الزبيدي في أول نصفه الثاني وفي مبحث السماع . وفي « لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام » للقاشاني بعد ما ذكر فيه الاتحاد وأنه يطلق ويراد به عدة معاني ما نصه : ومنها أن يراد بالاتحاد جميع الموجودات في الوجود الواحد من غير أن يلزم من ذلك ما يظن من انقلاب الحقائق أو حلول شيء في شيء ، بل المراد من ذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه لا حقيقة له إلا بالحق سبحانه بمعنى أن الوجود الذي صار به كل موجود موجودا إنما هو الوجود الواجب ، وهذا منكر عند أرباب العقول المحجوبة بظلمة الأكوان ، فإنهم لا يشاهدون وجهه تعالى في الأشياء لوقوفهم معها ، وإلى وحدة الوجود المشترك بين جميع الماهيات المتكثرة أشار الأكابر بقولهم الوحدة للوجود والكثرة للعلم أي للمعلومات فإنها هي التي كثرت الوجود الواحد المظهر لها بها انتهى منه بلفظه . وفيها أيضا ما نصه : وحدة الوجود ، يعني به عدم انقسامه إلى الواجب والممكن وذلك أن الوجود عند هذه الطائفة ليس ما يفهمه أرباب العلوم النظرية من المتكلمين والفلاسفة ، فإن أكثرهم يعتقد أن الوجود عرض ، بل الوجود الذي ظنوا عرضيته هو ما به تحقق حقيقة كل موجود ، وذلك لا يصح أن يكون أمره غير الحق عز شأنه انتهى المراد منه بلفظه أيضا . وقال السعد في شرح المقاصد بعد أن أبطل الحلول والاتحاد ما نصه : وها هنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء . الأول : السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللّه ، وفي اللّه استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا اللّه ، وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد ، وإليه يشير الحديث الإلهى : « فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به » . وحينئذ فربما صدرت منه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال ، وتعذر -