الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

469

مرآة الحقائق

--> - ورحمته ، ثم جعل لقلوبهم طريقا إلى مظهره ؛ لينظروا بقلوبهم إلى عظمته وجلاله ، فيعظّموه به ويجلو أمره وشأنه ، وجعل لهم فجاجا وسبلا إلى معلمه ؛ ليحجوا بيته ، ويحطّوا به الأوزار والذنوب ، فيطوفوا حوله ويلوذوا به . فإن ذلك البياض خفي عن أعين الخلق ، وبقي هواء ، فبنى على حد ذلك الهواء بنيانا يعرفه الخلق ؛ فهو معلم لمن قصد إلى اللّه - سبحانه وتعالى - بدنا ، والعرش مظهرا لمن قصد إلى اللّه - تبارك وتعالى - قلبا ، فجاءت شهوات النفس فأظلمت الصدور ، فحالت بين عيني الفؤاد ، وبين عين السير إليه ، والنظر إلى جلاله ، وتشبثت النفس بهذا الطّلل ، فحالت بينه وبين السير إليه ظلمة ، ولا يتخلص من النفس إلا من يجاهدها في اللّه حق جهاده ، فوعد المجاهدين الهداية إلى سبيله . فقال : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . ففتح لهم السبيل إليه بعدما أدّى حق المجاهدة ، وصدق اللّه - تعالى - فيها ، وقد بيّنّا شرح هذه المجاهدة في كتاب « صفة القلوب ومنازلها » ، والّذي ترك السير إليه متأخر عن مظهره ، والذي ترك السير إلى معلمه منقطع من رحمته ، فدعا العباد إلى إتيان معلمه ليسلّموا إليه أبدانهم بالعبودة ، فيتخذهم عبيدا ويغفر لهم ، وينيلهم الكرامات ، وينجح لهم الحاجات ، فأول من أجابه أبونا آدم عليه السّلام ، ثم لمّا ذهب رسم البيت زمن الغرق ، ابتعث اللّه - تعالى - خليله عليه السّلام وأمره ببناء الرسم ؛ ليعلم العباد موضعه ، وأمره أن يؤذّن في الناس بالحج ، فأجابه بالتلبية ، فكل من أسلم واستطاع إليه سبيلا ، أوجب عليه أن يأتيه ويظهر إسلامه عند معلمه . والإسلام هو : تسليم النفس إلى اللّه - تعالى - انقيادا وعبودة ؛ ولذلك قيل : حجة الإسلام ، فإذا حجّ مرة بعد أخرى ، فإنما يجدّد في كل مرة تسليما إلى اللّه - تعالى - لأنه كلما أذنب دخل الخلل في تسليمه إليه . فالعاكفون والطائفون حول بيته بدنا ، والعاكفون حول مظهره قلبا ، والوالجون بيته ندبا ، والوالجون مجالس ملكه قلبا ، فدلّ العباد على تجديد الإسلام كلما أخلق بالذنوب ، وانتقضت عراه ، وأمر خليله عليه السّلام بإظهار رسمه ، ثم أمره أن يؤذّن في الناس بالحج ، ثم جرت السّنة والسنة الصورة : صورة الإتيان واللوذان ، فجعل من دونه ميقاتا من كل ناحية إذا أتاه لباه ، فإذا لباه صار محرما ، وأمر أن يخرج من زينته وهو اللباس ؛ لأنه قد قال عزّ وجلّ : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] . -