الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

467

مرآة الحقائق

ولذا قال : « فلم يرفث » « 1 » : أي بالميل إلى الأمور الطبيعية ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولم يفسق » « 2 » : أي بالنزوع إلى الأمور النفسانية ؛ فانقطعت علاقته عن طبيعته الأصلية ، وشهواتها ، وعن مزاجه الفرعي وهواه ، فلم يبق له إلا أن يتوسل إلى وصول رب بيت الوجود من قلبه وروحه وستره . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رجع كيوم ولدته أمه » « 3 » : أي ولدته أم هويته التي هي فيض نور اللّه تعالى ؛ لأنه لم يكن وقتئذ تعلّق إلى شيء مما سواه تعالى ، فكان هو والربّ . فهذه الأم هي آدم الأول الحقيقي الذي خلق اللّه حواء الطبيعة منه ، وما ينتشئ من ازدواجهما من الأشياء ، أو ولدته أم طبيعته وعناصره ؛ وهي آدم الثاني . إذا كان الإنسان وقتئذ محمول الملائكة مقرّبا عند اللّه تعالى ، منتشأ كنشأة الجنان حتى إذا خلقت حواء من ضلعه الأيسر ، ووضع في موضع الضلع الشهوة ؛ كان منه الميول بحسب المراتب إلى أن اصطفاه اللّه تعالى . وهذا الاصطفاء أكمل من المرتبة الأولى ؛ ولذا قال في الحديث : ( رجع ) ، فمن رجع إلى اللّه ، فليرجع بكليته ، وليطف بالبيت كما طاف آدم يعني : إن الحج الأكبر المعنوي مخصوص بآدم ؛ ولذا أضيف إليه طواف البيت أصالة ، وإلى غيره تبعية ؛ بل هو الباني الأول للبيت إشارة بطوافه الدوري إلى التوجه الإطلاقي الذي لم يذقه إلا الأكمل ، واللّه القاصد وهو المقصود ، وإليه يرجع أمر كل موجود . 16 - في صحيح البخاري : « من حجّ للّه ، فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته أمه » « 4 » : قوله : ( للّه ) : إشارة إلى إخلاص النية ؛ لأنها أساس الأعمال . وقوله : ( ولم يرفث ) : إشارة إلى إصلاح اللسان الذي هو ترجمان الجنان . وقوله : ( ولم يفسق ) : إشارة إلى إصلاح الأركان ، ففي إصلاح النية إصلاح

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) رواه البخاري ( 2 / 53 ) ، وأحمد ( 2 / 248 ) .