الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

462

مرآة الحقائق

أقوى من سائر الأمم في مرتبة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وكذا في مرتبة الإيمان كما سبق ، فكما أن الملك كجزء من الأجزاء الإنسانية ؛ لأنه بعض قوى الإنسان التي تلي الملكوت ، فكذا الأمم السالفة كعضو من الأعضاء بالنسبة إلى هذه الأمة . فإن كمالاتهم بعض كمالات هذه الأمة ؛ ولذا لم يكن خير الأمم إلا هذه الأمة ، كما أنه لم يكن ختم الأنبياء إلا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه مبعوث للتكميل والتتميم ، ولا شك أن المكمّل بالكسر هو المكمّل بالفتح ، ولهذا المعنى دلائل ، وشواهد كثيرة من القرآن والحديث لا تخفى على العالمين والعارفين . فليحمد الملك على غناه التام كما قال تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] ، وقوله عزّ وجلّ : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ [ البقرة : 245 ] . وقوله عزّ وجلّ : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] . وقوله عزّ وجلّ : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 105 ] . 13 - في صحيح مسلم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تطهّر في بيته » : إشارة إلى التطهّر القلبي عن لوث الأغراض الفانية ، وذلك لا يحصل إلا بإخلاص النية ؛ التي هي الأساس في جميع المراتب . فالتطهّر الجسد الذي هو التوضؤ والاغتسال ؛ إنما هو صورة التطهّر الباطني الروحاني ، فما لم يكن حقيقة ؛ لم يكن شريعة ، وما لم يكن شريعة ؛ لم يظهر حقيقة ، فمن تطهّر في باطنه بالنية ؛ فلا بد له من التطهّر في ظاهره بالوضوء ونحوه ، ومن تطهّر في ظاهره ؛ فلا بد من أن يبنيه على ما يقتضيه مقام الحقيقة ، وإلا فيبقى طاهرا ونجسا . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثم مضى إلى بيت من بيوت اللّه ؛ ليقضي فريضة من فرائض اللّه » . : أي ليؤدي حقا من حقوق اللّه الواجبة عليه . وفيه إشارة إلى أن أداء هذا الحق ؛ هو الذي بعثه على التطهّر أولا ، ثم على المشي ثانيا ، وأضاف البيوت إلى اللّه ؛ لأن الطهارة لا تقتضي المشي إلى بيوت الغير ؛