الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

459

مرآة الحقائق

الوقت ، فقد فات الوصول ، وأتمّ ما يوجد صلاة العصر في الأقطاب ، فمن ( لم ) « 1 » يلتحق بواحد منهم ؛ فقد بطل حاله . 12 - في الحديث الصحيح : « من تطهّر » « 2 » : أشار بالتطهر إلى الانفصال عمّا سوى اللّه تعالى ، وهو صفة القلب ؛ ولذا قال : « في بيته » « 3 » : أي بيته المخصوص به الذي لا يكون إلا واحدا ليتسع واحدا . كما قال تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] . « ثم مشى إلى بيت من بيوت اللّه ليقضي فريضة من فرائض اللّه كانت خطوتاه إحداهما تحطّ خطيئة والأخرى ترفع درجة » أي : بعد تطهّر القلب عن دنس التعلّقات يعني : حتى يقدم الخلوص ، والإيقان ، والشهود إلى بيت من بيوت اللّه أي : إلى مقام من مقامات المعنوية ، كالاتصال ، فإنه يجمع بين المناجاة والقربة ، والشهود ، والوصول ، فيحصل الجمعية بعد التفرقة ، والحضور بعد الغيبوبة ، والتعبير بالبيت للمشالكة ، أو للتعظيم ، أو لأن المراد من دخول المساجد ؛ إنما هو الصلاة المشتملة على المناجاة المقتضية للمجالسة مع اللّه وهي في البيت ؛ والبيت في الحقيقة هو القلب ؛ لأنه هو الذي فرع لسكنى ستر اللّه العظيم فيه . ولّما كان الصوفية المحققون من أهل القلوب المتجلّية بأنوار الغيب قيل : من أراد أن يجلس مع اللّه ، فليجلس مع أهل التصوف : أي ؛ لأن اللّه معهم في جميع المشاهد ؛ بل هي متجلّى في صورهم ، وإن جحدهم جاحد ؛ ليقضي فريضة من فرائض اللّه ، إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّهم اقض عني ديني » « 4 » وهي الأمانة الكبرى التي حملها الإنسان ، وهي الوصول إلى اللّه تعالى ، والأخذ عنه بلا واسطة ، وذلك فرض على القلوب والأرواح والأسرار ، فإنه الهدى الذي أتى إليه من الحق تعالى ، فمن تبع ذلك الهدى ، خلص عن البرازخ كلها ، ووصل إلى أعلى المنازل المحمودة ، كانت خطوتاه .

--> ( 1 ) زيادة لتمام السياق . ( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 462 ) ، وابن ماجة ( 1 / 453 ) . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 4 / 52 ) .