الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
450
مرآة الحقائق
الرجال » « 1 » ؛ وهم الرجال الذين أفلسوا عن نفوسهم ، ومالها ؛ فأغناهم اللّه تعالى بذاته ، ومالها . كما قال : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 8 ] . : أي وجدك خاليا عنك فملئك به نفسه ، والمال العين ؛ إشارة إلى العلوم الحقيقة التي لا اختلاف فيها ، بخلاف غيره من المال ؛ فإنه علوم غير حقيقية متغيرة بحسب مشارب أهاليها ، فالمطلوب بالذات ؛ هو العلوم الإلهية اللدنية ، وبالتبعية وهو العلوم النظرية الاستدلالية . وأمّا العلوم الشيطانية ، والمعارف النفسانية فليست بمال أصلا فلا تطلب قطعا ؛ بل ( تحرهما ) وأصحابها فضلا عن الطلب ، وأمّا قولهم : مال أهل الحرب في المسلمين ؛ فإنما هو في الرابح ، فخذ ما صفا ، ودع ما كدر فأنت المصيب . 6 - في الحديث الصحيح : « من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا ؛ نقص من عمله كل يوم قيراط » « 2 » : أشار بالكلب إلى النفس ، وبالزرع إلى حرث الآخرة ؛ وهي الأعمال الصالحة الظاهرة . كما يقال : الدنيا مزرعة الآخرة ، وبالضرع إلى الفيض الإلهي الجاري من ضرع القلب والروح ، وبالنقص إلى قوله : « من استوى يوماه ؛ فهو مغبون » « 3 » . فالفائدة في النفس الإنسانية التي النفس الأمّارة الكلبية قوة من قواها أعمالها في تحصيل الكمالات الظاهرة والباطنة . كما قال تعالى : « لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » [ المائدة : 66 ] أي : من طريق الكسب والوهب ، فإذا عطلت جاء الغبن والخسارة . كما قال تعالى : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 18 ] . فالنفس : هي البضاعة وبها التجارة والربح ، فمن أعلمها ، ربح ، ومن أهملها ؛ خسر .
--> ( 1 ) رواه الخطيب البغدادي في الكفاية ( 1 / 161 ) ، وذكره المزي في تهذيب الكمال ( 10 / 336 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1207 ) بنحوه ، ومسلم ( 3 / 1203 ) . ( 3 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 8 / 35 ) ، والديلمي في الفردوس ( 3 / 618 ) .