الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
536
مرآة الحقائق
--> - وهذا الأثر العظيم دلّ على علو منزلة أبي بكر الصديق المؤانس لنبينا في كل صحب ورفيق رضي اللّه عنه ، وحق له ذلك ، فإنّ من أحبّه أقام الدّين ، ومن توالت محبته في قلبه تمكّن في اليقين . قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ذكر ذات يوم أبو بكر عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال : « ما لكم في أبي بكر ، واللّه الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ليلة أسري بي مكتوبا حول العرش آية الكرسي : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . إلى قوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] . ثم رأيت مكتوبا : محمد رسول اللّه ، قبل أن يخلق اللّه الشمس والقمر بألفي عام ، ورأيت أبا بكر الصديق مكتوبا اسمه على أثري » . وفي رواية عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من طريق ابن عباس رضي اللّه عنهما : « إنّه كان في مناجاة حبيب اللّه ليلة الإسراء من قول اللّه تعالى : حبيبي محمد حب من أحبّ . فقلت : يا إلهي وسيدي من تحبّ ؟ قال لي : أحبّ أبا بكر حبّه فإني أحبّه ، فلما هبطت عارضني جبريل عند سدرة المنتهى وهو مقامه ، ولو جاز ذلك المكان لما أطاق لقوّة النور . قال لي : يا محمد ما ذا قال لك ربك ؟ قلت : قال لي : حبّ أبا بكر فإني أحبّه ، فتبسّم جبريل ، ثم قال : يا محمد والذي بعثك بالحق لو أحبّه أهل السماوات والأرض لما عذّب اللّه أحدا منهم بالنار » . فاشكروا اللّه عباد اللّه على محبتكم ، وتوسلوا إلى مولاكم بنبيكم . ومن آداب من علم أنّ نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم صاحب المقام المحمود ، وتحقق أنه حبيب الملك المعبود ، وأن اللّه تعالى أعطاه هذه المنازل ، وحباه أكرم الخلق ، وخصّه بها وبجميع الفضائل ، علم أن ذلك لسبقيته الخلائق في طاعة اللّه ، وسعيه في مصالح عباد اللّه وبذل جهده في شفقته على خلق اللّه . وتأمّلوا رحمكم اللّه قوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] . كيف أمره المولى جلّ جلاله بدوامه على التهجد مع ما كان عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من الجد في قيام الليل ، وأيّ عبد يطيق من العبادة ما كان صلّى اللّه عليه وسلّم يطيق ؟ ثم رتب تعالى بعده المقام المحمود على جده وطاعته وتهجده . فكيف تطمع أيها الكسلان في رفع الدرجات مع التواني ، وتقليل الحسنات ؟ فبادروا رحمكم اللّه بالجد في طاعته ، وبالشفقة على خلق اللّه ، خصوصا بالضعفاء والفقراء فإنهم عيال اللّه . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يؤتى يوم القيامة بالعبد الفقير ، فيعتذّر اللّه إليه كما يعتذر الرجل إلى الرجل في دار الدنيا . -