الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

90

مرآة الحقائق

تحصل بالممارسة والإدمان ، فإنها على تقدير قوتها في النفس ليست بمنزلة الرحمة الأولى ، ولذا مدح العرب بالسخاء ؛ لأنه جبلي لهم غالبا « 1 » .

--> ( 1 ) الرحمة : إجراء الموافق لظاهر الشيء وباطنه ، إن اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق فقسمه قسمين : شقيّا وسعيدا ، فالشقيّ في نقمته ، والسعيد في رحمته . والرحمة رتب ، فإن اللّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فتفاوت العباد في رحمته ، فلكل مرحوم حظه من الرحمة ، تقع منه بوفق إلى حدّ وقدر من ذلك العد ، ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم المنتهي فيما يوافقه إلى أعظم الغايات في ذاته وفي آله وفي أهل بيته وفيمن تصل إليه شفاعته من خلق ربه حتى قال له : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 5 ] ، التي هي عند أهل البيت أرجى آية في كتاب اللّه ، كان مناله من الرحمة المنال الأعظم ، الذي لم يبق ما خوّله اللّه من الوفق محل خلاف ، كما قال تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [ هود : 118 ، 119 ] ، وهو الذي رحمه ربّه بالرحمة العامّة التامّة فلم يبق عنده خلاف ، فكان كل أمره وفقا حتى قالت له عائشة رضي اللّه عنها : « يا رسول اللّه ، إنّ ربّك يسارع إلى هواك » ، وكذلك الأمر في آله كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم في عليّ عليه السّلام : « اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار ؛ ليكون كائن الخلق والأمر وفقا له » ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم المرحوم الرحمة التي انتهت إلى الغاية التي ليس وراءها مرمى ولا منتهى ، بما له من كل شيء أحمده ، وبما هو المرحوم الكامل الرحمة كانت الموصل إلى اللّه ، كما كان المرحوم في الطامة الأولى عاصما من نقمة اللّه في مضمون قوله تعالى : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ] ، كأنه يقول عليه السّلام لابنه : لا يعصمك إلا العبد المرحوم الذي هو نوح عليه السّلام ، وكان ذلك من أول بوادي الرحمة لما ظهر بها من العصمة ، فكان بداية الرحمة عصمة ، وكان كمالها توصيلا ، وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] فكان ميثاقهم التوصل إلى اللّه ، وكان من ميثاقة نوح العصمة من انتقام اللّه ، ولكل نبيّ فيما بينهما رحمة تخصّه ، واقية من سوء ، أو مرقية إلى خير ، وهذا التوجيه يدانيها ؛ لأن الطوفان أول طامّة ظهرت في الدنيا ، وسائر الطوامّ في هذه الأمة ، كما ذكر أن : « الطوامّ سبعة » ، والرحمة الكاملة المحمدية عاصمة من جميعها ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المعاقل ثلاثة : فمعقلهم من الملاحم دمشق ، ومعقلهم من الدّجال البيت المقدس ، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء » ، كذلك رحمته المحمدية عاصمة في يوم الجزاء إلى ما وراء أمر الدنيا والآخرة ، من هذا التوسل المحمديّ الذي نهايته التوصل إلى اللّه ، والعصمة مما سواه الذي هو النهاية ، والحمد للّه ربّ العالمين . وقال الرصاع : ومعنى نبي الرحمة : أي النبي الذي بعثه اللّه سبحانه رحمة للعالمين ، ورؤوفا بالخلق أجمعين ، فبعثه اللّه رحمة ، وشريعته رحمة ، وأفعاله رحمة ، وأخلاقه رحمة ، وبشارته رحمة ، ونذارته رحمة ، وجميع ما قاله أو فعله أو تحرّك به رحمة ، وحياته رحمة ومماته رحمة . -