الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

86

مرآة الحقائق

خاليا من آثار السعادة والشقاوة ، وهكذا في انتهاء أمره فيرجع النهاية إلى البداية بعد انقراض البشر ، ثم يظهر أمر أخر في النشأة الآخرة يعرفه أهله ، والعلم عند اللّه تعالى . ومعنا كلام آخر في غاية الغموض وهو : إن الوجوه البيض إشارة إلى الأبرار ، والوجوه السود المقربين ، كما ورد : « الفقر سواد الوجه في الدّارين » « 1 » . فهو سواد السيادة لا سواد الفضاحة ، فالآية من قبيل الترقي ثم الابتداء بقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ [ آل عمران : 106 ] أي : من قبيل تقديم الأفضل . فإذا كان الأبرار في رحمة اللّه وجنته ؛ فالمقربون الذين ستروا وجوداتهم المجازية بالوجود الحقيقي في قربة اللّه ، ووصلته ؛ التي هي أعذب من الجنة الحسية ؛ لأنها جنة في جنته ، ولا شك أن الطبقة العليا خير من الطبقة السفلى ، فكن مسودا بنورا سود ؛ وهو أصل الأنوار ، ولا أصل له أصلا . وقال اللّه سبحانه : كُنْتُمْ [ آل عمران : 110 ] ؛ يا أمة محمد في علم اللّه تعالى : خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 110 ] « 2 » .

--> ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 464 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 / 113 ) . ( 2 ) فيه إشارة إلى نور الانفراد : فهو الذي يكشف أنه صلّى اللّه عليه وسلّم خبر متبوع حيث قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ فمتبوعها خير متبوع . وهو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « شرف أمّتي بي ؛ فبي يتشرّفون ، وهم خير أمّة أخرجت للنّاس » ؛ فهو أشرف الخلائق الإنسانية بدليل الكتاب والسنّة ، ومجمع الحقائق الإيمانية التي لا تلبّس فيها . وأمته أشرف الأمم . وفي حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : « صار حتّى بيت المقدس ، فنزل ، وربط فرسه إلى صخرة ، فصلّى مع الملائكة ، فلما قضيت الصلاة قالوا : يا جبريل ، من هذا الذي معك ؟ قال : هذا محمّد رسول اللّه ، خاتم النبيين . قالوا : أوقد أرسل إليه ؟ ! قال : نعم . قالوا : أحياه اللّه تعالى من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ! ونعم الخليفة ! ثم لقوا أرواح الأنبياء عليهم السّلام ، فأثنوا على ربّهم ، وذكر كلام واحد منهم ، وهم إبراهيم عليه السّلام ، وموسى ، وعيسى ، وداود ، وسليمان عليهم السّلام ، ثم ذكر كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : وإن محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم أثنى على ربّه عز وجلّ ، فقال : كلكم أثنى على ربّه ، وأنا أثنى عليّ ربّي ، الحمد للّه الذي أرسلني رحمة للعالمين كافّة ، وللناس بشيرا ونذيرا ، وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيان لكل شيء ، وجعل أمّتي خير أمة ، فجعل أمّتي أمّة وسطا ، وجعل أمّتي هم الأولون ، وهم الآخرون ، -