الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

21

مرآة الحقائق

سورة البقرة قال اللّه سبحانه : ألم [ البقرة : 1 ] . أشار بالألف إلى المبدأ الذي هو الإنسان ؛ فإنه خرج من مخرج الشأن الذاتي الغيبي الذي كان تعيّن الذات الأحدية في تلك المرتبة بالنسبة إلى سائر التعينات ؛ كتعيّن الحروف بالنسبة إلى التركيبات اللفظية ، ثم لمّا خرج بالحركة المعنوية ، والنفس الرحماني من تلك المرتبة ؛ مرّ بمرتبة الأرواح التي هي مرتبة اللام التي تعيّن مخرجها من الوسط . فإن الأرواح متوسطة بين عالم العلم وعالم العين ، ثم مرّ بمرتبة الأجسام التي هي مرتبة الميم التي تعيّن مخرجها من الفم الذي هو آخر المخارج ، ولم يتعرّض لمرتبة المثال ، وإن كانت من الحضرات الخمس ؛ لكونها ممتزجة بالطرفين ؛ فلها وجه إلى مرتبة الأرواح ، ووجه إلى مرتبة الأجسام ، فإذا المخارج الكلية ثلاثة : المبدأ الألفي ، والوسط اللامي ، والآخر الميمي ، وما عداها فمخارج جزئية . وأخير ذكر هو من بين سائر الأذكار ؛ لكون الهاء مادة من المبدأ إلى المنتهى الذي هو مرتبة الواو ؛ كالميم فهي آخذة من كل المراتب الجزئية والكلية خاصتها ، فكانت بمنزلة الإنسان الكامل المار بجميع الأطوار ، ففي لفظ هو من الجمعية في الإنسان ، فمن غلب عليه الفناء ، وجمع الحقيقة ؛ فليذكّر بذكر هو هو ، ومن غلب

--> - أحد على تعيين ما قد تجلّى له إلا كونه تجلى في غير مادة لا غير ، ثم إذا رجع من هذا التجلي إلى عالم المواد صحبه تخيل تجلي الحق تعالى . فما من حضرة يدخلها إلا ويعرف اللّه تعالى في تجليها ؛ لأنه قد ضبط من معرفته أولا ما ضبط ، فيعلم أن التجلي قد تحوّل في أمر آخر ، فلا يجهله بعد ذلك أبدا ، ولا ينحجب عنه ، فإن الحق تعالى ما تجلى لأحد هذا التجلي ، فانحجب عنه بعد ذلك أبدا . فإذا نزل العبد إلى عالم خياله وقد عرف الأمور على ما هي عليه مشاهدة بعد أن عرفها قبل ذلك علما وإيمانا رأى الحق تعالى في صورة الخيال مقيّدا فلم ينكره ، لكن لا يسعه إلا السكوت ، لأنه حينئذ يرى أن لا معلوم إلا اللّه ، وإذا كان لا معلوم إلا اللّه فلا يدري أحد ما يقول ! ولا كيف ينسب الأمور ! وانظر : الميزان الذرية ( ص 73 ) بتحقيقنا .