الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

15

مرآة الحقائق

المعتزلة وغيرهم ، واللّه رقيب شهيد . ومن العجائب في هذا المقام أن الكافر باطن المؤمن ؛ لأن باطن المؤمن مظهر الجلال « 1 » ، كما أن ظاهره مظهر الجمال « 2 » ، فللمؤمن رحمة لظاهره وباطنه في الدنيا والآخرة ، فالكافر لا يقنط من رحمة ربه إلا أن الرحمة له في صورة النعيم في الدنيا كما دلّ عليه قوله : « الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر » « 3 » . وفي صورة الجحيم في الآخرة كما دلّ عليه قوله : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [ النبأ : 23 ] : أي في العذاب في تلك المدة ؛ وهو مذهب أهل الحقائق ، وله في القرآن شواهد أخر لا تذكر هنا ، فظن خير ، ولا تسأل عن الخير ، واللّه قادر على أن ينبت جرجيرا في قعر النار ، وإن كان ذلك الجرجير ليس من جنس ما ينبت في قعر الجنة ؛ إذ ليس في النار نعيم ، فاعرف هذه الدقيقة ، وكن مع أهل الحقيقة .

--> ( 1 ) إن الجلال حضرة لائقة بالمشاهدة لأنه اسم ظهر اللّه به مخصوصا بالثنوية وهو تمكين اسم الجميل فتظهر عليه صفة في حال الناظر والمنظور ليحصل له هيبة وخشوع مع محبة فالجميل للمحبة ، فلما رفع المحب إلى مقام أعلى من موطن المحبة الذي هو الظاهر . فازداد الاسم صلة بغير زوال عينه ، ولما كانت هذه الصفة لائقة بالمشاهدة وهي الجلال خرج الشاهد في شهوده من مقام إلى مقام لأنه لا يتغير عليه صفة إلا بخروجه من محله في شهود واحد ، فالجلال مختصة باللّه دون الجميل وغيره لكونها تنشأ عن التعظيم وكل تعظيم ناشئ عن عظمة اللّه تعالى ، وإذا حصل للشاهد شهودا في خلع واحد يكون هذا الشهود أشد تمكينا من الشهود الواحد ، والتمكين عبارة عن الاستعلاء لكن الاستعلاء على ضربين : استعلاء وصف واستعلاء معنى ، فالعارف الكامل له استعلاء الوصف ويتعالى عن استعلاء المعنى إذ استعلاء المعنى هو على بني الجنس بشرط الاستقلال لجهة دون جهة ، والعارف لا جنس له ولا حصر فيحل عن هذا المقام المعنوي ، ولما كان هذا العارف متصفا بالاستعلاء اتصافا فأخرج من مقام الشهود إلى مقام الجلال . ( 2 ) إن الجمال بعد الأرواح تنزل مناسب بحيث ذكر أرواحا متعددة والتعدد لائق بالجمال لأن اللّه تعالى لما أوجد الخلق متكثرا متمايزا أظهر بالجميل لئلا يقع النفور من البعض عن البعض ، وكذلك في عالم الأرواح ، فلما أدرك هذا الشاهد رضوان اللّه عليه أرواحا متعددة لحظ الجمال الناشئ بينهم لعدم النفور وهذه القابلية في هذا المحل قد كانت شديدة الصقال ، والناظر فيها نافذ النظر حتى شهده صورة الموصوف والأوصاف ، لأن الجمال صفة خافية وهمية فلا يدركها إلا من اتصف في حال شهوده بهذه الأوصاف . ( 3 ) رواه مسلم ( 4 / 2272 ) .