الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
101
مرآة الحقائق
يحجب ذاته عن أهل الجنة ، وهم في الدنيا ؛ أهل القلوب . فعليك بطريقتهم وسيرتهم في كل ما يأتون وما يذرون ، ومن لم يكن له أدب ؛ لا يصحّ الاقتداء به ، فيحترم إن كان من أهل الجذبة والحال ، فإذا كان تارك الأدب لا يصلح للاقتداء ؛ فما ظنك بتارك الأحكام ، وقد قال تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [ البقرة : 189 ] ، وهي الشرائع الظاهرة أولا ، ثم الرياضات والمجاهدات ، فعندها ينفتح بيوت المعارف والحقائق على ما هو العادة الإلهية ، ومن الأسباب إحياء الليالي ؛ إذ فيه شهود مولى الموالي ، والوصول إلى أعلى الأعالي ، رزقنا اللّه وإياكم . وقال اللّه سبحانه : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [ آل عمران : 178 ] . الآثم : اسم للفاعل المبطئة من الثواب ، وله حسن موقع مع الإملاء الذي هو الإمداد والإمهال والتأخير . واعلم أن اللّه تعالى جعل لكل إنسان أجلا معلوما ؛ ليبلغ كماله الذي قدّر له ، فإن كان من السعداء ؛ فكماله في الدين ، والسير ، والسلوك ؛ يحصل في مدة أربعين سنة غالبا ، وإن كان له عمر آخر طويل بحسب الإرث المحمّدي ونحوه . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « طوبى لمن طال عمره ، وحسن عمله » « 1 » . يعني أن طول العمر ؛ إنما هو لكسب حسن العمل ، وهو للوصول إلى العلم الوهبي كما ورد : « من عمل بما علم ؛ ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » « 2 » : أي بما علم من الشرع لا بكل ما عمل آيّا كان . فإن الفلاسفة ، والحكماء المتقدّمين ، وأمثالهم أنفوا عن الاقتداء بالأنبياء عليهم السّلام ، والعمل بشرائعهم اعتمادا على عقولهم ، وعلومهم ، ورياضاتهم ، فحرموا عن علم المواهب والإرث ، إذ لم يتجاوزوا عن حدّ ذوق ؛ كأفلاطون ، وأين هو من أذواق أهل المقامات الخارجين عن طور الكون ، والحدوث الروحاني ، الداخلين في
--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 7 / 70 ) ، والديلمي في الفردوس ( 2 / 445 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه .