محمد بن مرتضى الكاشاني
1345
تفسير المعين
[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 20 إلى 23 ] هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 20 ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 ) أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) « وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [ 19 ] هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ 20 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ » : اكتسبوها . « أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ » : إنكار لاستواء كلّ من الصّنفين في الدّارين بهجة وكرامة . « ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ 21 ] وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ 22 ] أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » « 1 » : مرّ في الفرقان « 2 » .
--> ( 1 ) بأن أطاعه وبنى عليه دينه ، لا يسمع حجّة ولا يستبصر دليلا - من الفرقان . في الكافي عن هشام بن الحكم انّه قال : كان بمصر زنديق بلغه عن أبي اللّه عليه السّلام أشياء . فخرج إلى المدينة ليناظره ، يصادفه بها . وقيل له انّه خارج بمكّة فخرج إلى مكّة ، ونحن مع أبي عبد اللّه عليه السّلام فصادفه في الطّواف ، وكان اسمه عبد الملك ، وكنيته أبو عبد اللّه . فضرب كتفه كتف أبي عبد اللّه عليه السّلام . فقال عليه السّلام له : ما اسمك ؟ فقال : عبد الملك . قال فما كنيتك ؟ قال : أبو عبد اللّه . فقال له عليه السّلام : فمن هذا الملك الّذي أنت عبدته ؟ أمن ملوك الأرض أو من ملوك السّماء ؟ وأخبرني عن ابنك ، أعبد إله السّماء أم إله الأرض ؟ قل ما شئت وتخصم . قال هشام : قلت له : لم لا ترد عليه ؟ قال : فقبّح قولي . فقال له عليه السّلام : إذا فرغت من الطّواف ، فأتنا . فلمّا فرغ ، أتى أبا عبد اللّه عليه السّلام وقعد بين يديه . فقال عليه السّلام له : أتعلم أنّ للأرض تحتا وللسماء فوقا ؟ قال : نعم . قال عليه السّلام له : أدخلت تحت الأرض ؟ قال : لا . قال : فما يدريك ما تحتها ؟ قال : لا أدري إلّا أنّي أظن أن ليس تحتها شيء . فقال عليه السّلام : فالظن عجز لمن لا يستيقن . ثمّ قال له عليه السّلام : أفصعدت السّماء ؟ قال : لا . قال : فتدري ما فيها ؟ قال : لا . فقال عليه السّلام : عجبا لك لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ، ولم تنزل الأرض ولم تصعد السّماء ، ولم تخبر ممّا هنا فتعرف ما خلقهن ، وأنت جاحد بما فيهن . وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟ قال الزّنديق : ما كلّمني بهذا أحد غيرك . فقال عليه السّلام : أيّها الرّجل ، فما أنت في شكّ من ذلك ، فلعله هو وتعلمه ليس هو . فقال الزّنديق : فلعلّ ذلك . فقال عليه السّلام : أيّها الرّجل ، ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ، ولا حجّة للجاهل بالأمر . يا أخا أهل مصر ، تفهم عني فانّك لا تشك في اللّه أبدا . اما ترى الشّمس والقمر واللّيل والنّهار يلجان ولا يشتبهان ويرجعان ، قد اضطرا ليس لهما مكان إلّا مكانهما ، فان كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان ؟ وان كانا غير مضطرين في ذلك ، فلم لا يصير اللّيل نهارا والنّهار ليلا ؟ اضطرا واللّه يا أخا أهل مصر إلى دورانهما ، والّذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر . فقال الزّنديق : صدقت . ثمّ قال عليه السّلام : يا أخا أهل مصر ، انّ الّذي ذهبتم إليه وظننتم انّه الدّهر ، يذهب بهم لم لا يردّهم ؟ فإن كان يردّهم لم لا يذهب بهم ؟ القوم مضطرون في ذلك يا أخا أهل مصر ! لم يكون السّماء مرفوعة والأرض موضوعة ؟ لم لا يسقط السّماء على الأرض ؟ لم لا ينحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليها ؟ فقال الزّنديق : أمسكها اللّه تعالى ربّهما وسيّدهما . قال هشام : فآمن الزّنديق على يد أبي عبد اللّه عليه السّلام . وقال عليه السّلام لهشام ، خذه إليك ، فعلّمه . فأخذه وعلّمه ، وكان يعلّم أهل الشّام وأهل مصر الإيمان ، وحسنت طهارته حتّى رضي عنه أبو عبد اللّه عليه السّلام . ( 2 ) انظر : الفرقان / 43 .