السيد نعمة الله الجزائري

64

عقود المرجان في تفسير القرآن

خبر مرفوع عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . « فَما رَعَوْها » لتكذيبهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله . « 1 » وقيل : إنّ الرهبانيّة الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة . قال الزجّاج : جاء في التفسير أنّهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون [ عليه ] فاتّخذوا صوامع وابتدعوا ذلك . فلمّا ألزموا أنفسهم ذلك التطوّع ، لزمهم تمامه كالنذر . وقوله : « فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها » على ضربين : أحدهما أن يكونوا قصّروا فيما ألزموا أنفسهم . والآخر - وهو الأجود - أن يكونوا حيث بعث النبيّ فلم يؤمنوا به ، كانوا تاركين لطاعة اللّه فمارعوا تلك الرهبانيّة . ودليل ذلك قوله : « فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا » الآية . يعني آمنوا بالنبيّ . ويعضده ما جاء في الرواية عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول اللّه على حمار . فقال : هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانيّة ؟ فقلت : اللّه ورسوله أعلم . فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي اللّه ، فقاتلهم أهل الإيمان . فهزموهم ولم يبق من أهل الايمان إلّا القليل . فقالوا : نتفرّق إلى أن يبعث اللّه النبيّ الذي بشّر عيسى . يعنون محمّدا . فتفرّقوا في غيران الجبال . وأحدثوا رهبانيّة . فمنهم من تمسّك بدينه ومنهم من كفر . ثمّ تلا هذه الآية . ثمّ قال : رهبانيّة أمّتي الجهاد والهجرة والصلاة والصوم والحجّ والعمرة . ثمّ قال : من آمن بي وصدّقني ، فقد رعاها حقّ رعايتها . ومن لم يؤمن بي ، فأولئك هم الظالمون . « 2 » عن أبي الحسن عليه السّلام في قوله ، « وَرَهْبانِيَّةً » قال : صلاة اللّيل . « 3 » « فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها » بضمّ التثليث والقول بالاتّحاد وقصد السمعة والكفر بمحمّد . « 4 » « رَأْفَةً وَرَحْمَةً » ؛ أي : وفّقناهم للتراحم والتعاطف بينهم . ونحوه في صفة أصحاب رسول اللّه : « رُحَماءُ بَيْنَهُمْ » . « 5 » والرهبانيّة ترهّبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة خوفا من الجبابرة الذين كانوا في عصرهم فخافوا أن يفتنوا في

--> ( 1 ) - المصدر : « فما رعاها الذين بعدهم حقّ رعايتها وذلك لتكذيبهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله . عن ابن عبّاس . » بدل العبارة الأخيرة . ( 2 ) - مجمع البيان 9 / 365 - 366 . ( 3 ) - عيون الأخبار 1 / 220 ، ح 29 . ( 4 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 472 . ( 5 ) - الفتح ( 48 ) / 29 .