السيد نعمة الله الجزائري
59
عقود المرجان في تفسير القرآن
بها قرينه وجاره . « وَتَكاثُرٌ » ؛ يعني : يتكاثر الرجل بها أولياء اللّه بماله وولده وخدمه . يعني أنّه يفني عمره في هذه الأشياء . ثمّ بيّن لهذه الحالة شبها فقال : « كَمَثَلِ غَيْثٍ » ؛ أي : مطر « أَعْجَبَ الْكُفَّارَ [ نَباتُهُ » ؛ أي : أعجب الزرّاع ] ما نبت من ذلك الغيث . وقيل : المراد الكافر باللّه لأنّه أشدّ إعجابا بالدنيا من غيره . « يَهِيجُ » ؛ أي : ييبس . « مُصْفَرًّا » . وهو إذا قارب اليبس . « حُطاماً » ينكسر بعد يبسه . وشرح هذا تقدّم في سورة يونس . « عَذابٌ شَدِيدٌ » لأعداء اللّه . « وَمَغْفِرَةٌ » لأهل الطاعة . « مَتاعُ الْغُرُورِ » لمن اغترّ بها ولم يعمل لآخرته . « 1 » قال المفسّر في سورة يونس عند قوله تعالى : « إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ » - الآية « 2 » - : إنّما شبّه الحياة الدنيا في سرعة فنائها كالمطر الذي أنزل من السماء . « 3 » [ 21 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 21 ] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) « سابِقُوا » : سارعوا مسارعة السابق في المضمار . « إِلى مَغْفِرَةٍ » : إلى موجبها . « عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ » ؛ أي : عرضها كعرضهما . وإذا كان العرض كذلك ، فما ظنّك بالطول ! وقيل : المراد البسطة ؛ كقوله : « فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ » . « 4 » « أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا » . فيه دلالة على أنّ الإيمان وحده كاف في استحقاقه . « ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ » ؛ أي : ذلك الموعود يتفضّل به على من يشاء من غير إيجاب . « ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . فلا يبعد من التفضّل بذلك وإن عظم قدره . « 5 » في ذكر العرض دون الطول أوجه . أحدها : انّ عظم العرض يدلّ على عظم الطول . والآخر : انّ الطول قد يكون بلا عرض ولا يكون عرض بلا طول . وثالثها : انّ المراد به أنّ العرض مثل السماوات والأرض وطولها لا يعلمه إلّا اللّه . قال الحسن : إنّ اللّه يفني الجنّة ثمّ يعيدها على ما وصفه . فلذلك صحّ وصفها بأنّ عرضها كعرض السماء والأرض . وقال
--> ( 1 ) - مجمع البيان 9 / 359 . ( 2 ) - يونس ( 10 ) / 24 . ( 3 ) - مجمع البيان 5 / 155 . ( 4 ) - فصّلت ( 41 ) / 51 . ( 5 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 470 .