السيد نعمة الله الجزائري
285
عقود المرجان في تفسير القرآن
« صُحُفاً مُنَشَّرَةً » : قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها . أو : كتبا كتبت في السماء ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشّرة على أيديها غضّة رطبة لم تطو بعد . وذلك أنّهم قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لم نتّبعك حتّى تأتي كلّ واحد منّا بكتب من السماء عنوانها : من ربّ العالمين إلى فلان بن فلان ، نؤمر فيها باتّباعك . ونحوه قوله : « لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ » - الآية - من سورة بني إسرائيل . « 1 » وقيل : كانوا يقولون : إن كان محمّد صادقا ، فليصبح عند رأس كلّ رجل منّا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار . « 2 » وعن أبي جعفر عليه السّلام في قوله : « صُحُفاً مُنَشَّرَةً » : وذلك أنّهم قالوا : يا محمّد ، بلغنا أنّ الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب يصبح وذنبه مكتوب عند رأسه وكفّارته . فنزل جبرئيل وقال : يسأل قومك سنّة بني إسرائيل في الذنوب . فإن شاؤوا فعلنا ذلك بهم وأخذناهم بما كنّا نأخذ به بني إسرائيل . فزعموا أنّ رسول اللّه كره ذلك لقومه . « 3 » [ 53 - 55 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 53 إلى 55 ] كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) « كَلَّا » . ردعهم عن تلك الإرادة وزجرهم عن اقتراح الآيات . « بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ » . فلذلك أعرضوا عن التذكرة . [ ثمّ ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة ] وقال : « كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ » . يعني تذكرة بليغة كافية مبهم أمرها . « فَمَنْ شاءَ » أن يذكره ولا يسناه ويجعله نصب عينه ، فعل . وإنّ نفع ذلك راجع إليه . والضمير في إنّه وذكره للتذكرة وإنّما ذكّر لأنّها في معنى الذكر أو القرآن . « 4 » [ 56 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 56 ] وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » . هذه المشيّة غير الأولى . إذ لو كانت واحدة ، لتناقض . والأولى مشيّة اختيار والثانية مشيّة إجبار وإكراه . والمعنى : انّ هؤلاء الكفّار لا يذكرون إلّا أن يجبرهم اللّه
--> ( 1 ) - الإسراء ( 17 ) / 93 . ( 2 ) - الكشّاف 4 / 656 . ( 3 ) - تفسير القمّيّ 2 / 396 . ( 4 ) - الكشّاف 4 / 656 - 657 .