السيد نعمة الله الجزائري
44
عقود المرجان في تفسير القرآن
فهلّا قيل : كلم اللّه ؟ قلت : معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه . « وَالْبَحْرُ » . بالنصب عطف على اسم أنّ . وبالرفع عطف على محلّ أنّ ومعمولها على : ولو ثبت كون الأشجار أقلاما وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر . فإن قلت : كان مقتضى الكلام أن يقال : ولو أنّ الشجر أقلام والبحر مداد . قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله : « يَمُدُّهُ » . لأنّه من قولك : مدّ الدواة وأمدّها . جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوّة مدادا فهي تصبّ فيه مدادها أبدا صبّا لا ينقطع . والمعنى : [ ولو ] أنّ أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات اللّه ، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد . عن ابن عبّاس أنّها نزلت جوابا لليهود لمّا قالوا : قد أوتينا التوراة فيها كلّ الحكمة . وقيل : إنّ المشركين قالوا : إنّ هذا - يعنون الوحي - كلام سينفد . فأعلم اللّه أنّ كلامه لا ينفد . « 1 » [ 28 ] [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 28 ] ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 ) « إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ » ؛ أي : كخلق [ نفس ] واحدة وبعثها في قدرته . فإنّه لا يشقّ عليه ابتداء جميع الخلق ولا إعادتهم بعد إفنائهم . وقيل : إنّ كفّار قريش قالوا : إنّ اللّه خلقنا أطوارا نطفة علقة مضغة لحما . فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة ؟ فنزلت الآية . « 2 » « سَمِيعٌ بَصِيرٌ » : يسمع كلّ صوت ويبصر [ كلّ ] مبصر في حالة واحدة لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض . فكذلك الخلق والبعث . « 3 » [ 29 ] [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 29 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 ) « يُولِجُ » ؛ أي : ينقص من اللّيل في النهار ومن النهار في اللّيل . أو إنّ كلّ واحد منهما يتعقّب الآخر . « وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ » يجريان على وتيرة واحدة لا يختلفان . « 4 »
--> ( 1 ) - الكشّاف 3 / 501 . ( 2 ) - مجمع البيان 8 / 504 . ( 3 ) - الكشّاف 3 / 502 . ( 4 ) - مجمع البيان 8 / 504 .