السيد نعمة الله الجزائري
356
عقود المرجان في تفسير القرآن
( تمنى كتاب الله أول ليلة ) - أو يكون من تمنّي القلب . فعلى الأوّل معناه : انّ من أرسل قبلك من الرسل كان إذا أدّى إلى قومه ، حرّفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا ؛ كما فعلت اليهود . وأضاف ذلك إلى الشيطان ، لأنّه يقع بغروره . « فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ » ؛ أي : يزيله . وخرج هذا على وجه التسلية للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا كذب المشركون عليه وأضافوا إلى تلاوته في مدح آلهتهم ما لم يكن فيها . فيكون قوله : تلك الغرانيق العلى ، من كلام بعض الحاضرين من الكفّار أوهم أنّ ذلك من القرآن . وإن كان المراد تمنّي القلب ، فمعناه : انّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله متى تمنّى بقلبه شيئا ، وسوس إليه الشيطان بالباطل يدعوه إليه ، وينسخ اللّه ذلك ويبطله بما يرشده إليه من ترك استماع غروره . وما قالوه في تلك الرواية ، إن وقع منه عمدا ، فمناف للآيات والأخبار ؛ وإن وقع سهوا ، فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة ونظمها . وقيل : إنّ المراد بالغرانيق الملائكة وقد جاء في ذلك الحديث فتوهّم المشركون أنّه يريد آلهتهم . وقيل : إنّ ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فلمّا ظنّ المشركون المراد به آلهتهم ، نسخت تلاوته . ويجوز أن يكون لمّا انتهى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى ذكر اللّات والعزّى ، قال الشيطان هاتين الكلمتين رافعا صوته فألقاهما في تلاوته في غمار الناس فظنّ الجهّال أنّ ذلك من قول النبيّ فسجدوا عند ذلك . والغرانيق : جمع غرنوق ؛ وهو الحسن الجميل . « ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ » ؛ أي : يبقي آياته وأوامره محكمة لا سهو فيها ولا غلط . « 1 » « مِنْ رَسُولٍ » . من هنا زائدة . وإنّما ذكر لفظي النبيّ والرسول لاختلاف فائدتهما . فالرسول من أرسله اللّه ولا يحمل عند الإطلاق على غير الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، والنبيّ الذي له الرفعة العظيمة بالإرسال . فهما واحد إلّا أنّ الرسول يعمّ الملائكة والبشر . فلذلك جمع بينهما . « وَما أَرْسَلْنا » . متّصل بما تقدّم من أحوال الكفّار وتمتّعهم بالدنيا . ولمّا رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ما بأصحابه من الإقتار ، تمنّى لهم الدنيا ، فبيّن سبحانه أنّ ذلك من وساوس الشيطان وأنّ ما
--> ( 1 ) - مجمع البيان 7 / 144 - 146 .