السيد نعمة الله الجزائري

536

عقود المرجان في تفسير القرآن

في رحله واستعباده . فلو أخذنا غيره ، كان ظلما في مذهبكم . فلم تطلبون ما عرفتم أنّه ظلم ؟ وباطنه : انّ اللّه أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين واحتباسه لمصالح جمّة . فلو أخذت غير من أمرني بأخذه ، كنت عاملا على خلاف الوحي . ومعنى معاذ اللّه : نعوذ باللّه معاذا من أن نأخذ . فأضيف المصدر إلى المفعول وحذف من . و « إِذاً » جواب لهم وجزاء . لأنّ المعنى : إن أخذنا بدله ، ظلمنا . « 1 » « مَعاذَ اللَّهِ » . عن الباقر عليه السّلام في حديث طويل بيّن فيه طينة المؤمن وطينة الناصب وأنّ الأولى من علّيّين والثانية من سجّين ، ولمّا خلقهما وأجرى الماء العذب على الأولى والمالح على الثانية ، مزج بين الطينتين ، فوقع من طينة المؤمن على طينة الناصب وبالعكس . فما عمل المؤمن من المعاصي ، فهو من ذلك المزج . وما أتى به الناصب من الأعمال والطاعات والعبادات ، فهو من طينة المؤمن . فيردّ يوم القيامة طاعات الناصب إلى صحائف المؤمن ، وذنوب المؤمن إلى معاصي الناصب . وذلك قوله تعالى : « قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ » . هو في الظاهر ما تفهمونه . وهو - واللّه - في الباطن هذا هو بعينه . لأنّ للقرآن ظاهرا وباطنا - الحديث . « 2 » [ 80 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 80 ] فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 80 ) « اسْتَيْأَسُوا » ؛ أي : يئسوا . وزيادة السين والتاء للمبالغة . والنجيّ : بمعنى المناجي ، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي . ومعنى « خَلَصُوا نَجِيًّا » : اعتزلوا عن الناس لا يخالطونهم ذوي نجوى ، أو فوجا مناجيا . وأحسن منه : انّهم تمحّضوا تناجيا ؛ لاستجماعهم لذلك وإفاضتهم فيه بجدّ واجتهاد واهتمام كأنّهم في أنفسهم حقيقة التناجي . وكان تناجيهم في

--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 493 . ( 2 ) - علل الشرائع 1 / 606 - 609 .