السيد نعمة الله الجزائري
510
عقود المرجان في تفسير القرآن
الأكبر - وهو الوليد بن ريّان - أحدهما صاحب شرابه والآخر خبّازه للاتّهام بأنّهما يريدان أن يسمّاه . « قالَ أَحَدُهُما » . يعني الشرابيّ . « إِنِّي أَرانِي » . هو من رؤيا النوم . لأنّ يوسف لمّا دخل السجن قال لأهله : إنّي أعبر الرؤيا . فقال أحد الرجلين لصاحبه : هلمّ فلنختبره . فسألاه من غير أن رأيا شيئا . وقيل : بل رأياه على صحّة وحقيقة ولكنّهما كذبا في الإنكار . وقيل : إنّ المصلوب منهما كان كاذبا ، والآخر كان صادقا . وهو المرويّ عن ائمّتنا عليهم السّلام . « أَرانِي » . أي قال الساقي . « أَعْصِرُ خَمْراً » ؛ أي : عنبا في كأس الملك فسقيته إيّاه . « وَقالَ الْآخَرُ » - أي الخبّاز - : كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وسباع الطير تنهش منه . « مِنَ الْمُحْسِنِينَ » : توفّر الأعمال الجميلة . لأنّه كان إذا ضاق على رجل مكانه وسّع له ، وإن احتاج جمع له ، وإن مرض قام عليه . وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام . وقيل : ممّن يحسن تأويل الرؤيا . وفي الحديث أنّ الرؤيا جزء من ستّة وأربعين جزءا من النبوّة . وتأويله أنّ الأنبياء يخبرون بما سيكون والرؤيا تدلّ على ما سيكون . وقيل : معناه : نراك من المحسنين إلينا إن فسّرت لنا الرؤيا . « 1 » [ 37 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 37 ] قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) ثمّ ذكر لهما ما يدلّ على أنّه عالم بتعبير الرؤيا فقال : « لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ » في منامكما « إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ » في اليقظة « قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما » التأويل . وذلك أنّه كره أن يخبرهما بالتأويل لما على أحدهما فيه من البلاء فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره . وقيل : إنّه إنّما قدّم هذا ليعلما ما خصّه اللّه من النبوّة وليقبلا عليه فقال : لا يأتيكما طعام من منزلكما إلّا أخبرتكما بصفة ذلك الطعام وكيفيّته قبل أن يأتيكما . كما قال عيسى عليه السّلام : « وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ » . « 2 » « ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي » . كأنّهما قالا له : كيف عرفت
--> ( 1 ) - مجمع البيان 5 / 355 - 356 . ( 2 ) - آل عمران ( 3 ) / 49 .