السيد نعمة الله الجزائري
40
عقود المرجان في تفسير القرآن
« قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ » . لمّا نفى أن يكون الهوى متّبعا ، نبّه على ما يجب اتّباعه بقوله : « عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ » . [ أي : ] إنّي من معرفة ربّي وأنّه لا معبود سواه على حجّة واضحة وشاهد صدق وكذّبتم به أنتم حيث أشركتم به غيره . ثمّ عقّبه بما دلّ على استعظام تكذيبهم باللّه وشدّة غضبه عليهم لذلك وأنّهم أحقّاء بأن يعاجلوا بالعذاب المستأصل فقال : « ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ » . يعني العذاب الذي استعجلوه من قولهم : « فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ » . « 1 » « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » في تأخير عذابكم . ( يقضي الحق ) أي : القضاء الحقّ في كلّ ما يقضي من التأخير والتعجيل . « وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ » ؛ أي : القاضين . وقرئ : « يَقُصُّ الْحَقَّ » ؛ أي : يتّبع الحقّ والحكمة فيما يحكم به ويقدّره . من قصّ أثره . وقيل : « عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » : على حجّة من جهة ربّي ؛ وهي القرآن . « وَكَذَّبْتُمْ بِهِ » ؛ أي : بالبيّنة . وذكّر الضمير على تأويل البيان أو القرآن . فإن قلت : بم انتصب الحقّ ؟ قلت : بأنّه صفة مصدر يقضي . أي : يقضي القضاء الحقّ . ويجوز أن يكون مفعولا به . من قولهم : قضى الدرع ، إذا صنعها . أي : يصنع الحقّ ويدبّره . « 2 » « يَقُصُّ الْحَقَّ » . قرأ أهل الحجاز وعاصم : « يَقُصُّ الْحَقَّ » بالصاد ، والباقون : يقضي الحق وهو خير الفاصلين » . « 3 » [ 58 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 58 ] قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ( 58 ) « لَوْ أَنَّ عِنْدِي » - الآية - أي : ( لو أني أمرت أن أعلمكم الذي أخفيتم في صدوركم من استعجالكم بموتي لتظلموا أهل بيتي من بعدي . ) فمثلهم كما قال اللّه عزّ وجلّ : « كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ » . « 4 » يقول : أضاءت الأرض بنور محمّد صلّى اللّه عليه وآله كما تضيء
--> ( 1 ) - الأنفال ( 8 ) / 32 . ( 2 ) - الكشّاف 2 / 30 . ( 3 ) - مجمع البيان 4 / 478 . ( 4 ) - البقرة ( 2 ) / 17 .