السيد نعمة الله الجزائري

4

عقود المرجان في تفسير القرآن

وتقديمها لتقدّم الأعدام على الملكات . ومن زعم أنّ الظلمة عرض يضادّ النور ، احتجّ بهذه الآية ، ولم يعلم أنّ عدم الملكة - كالعمى - ليس صرف العدم حتّى لا يتعلّق به الجعل . [ « ثُمَّ الَّذِينَ » . عطف على قوله : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » على معنى . . . أو على قوله : « خَلَقَ » على معنى . . . . ] « بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » . تنبيه على أنّه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكوّنهم وتعيّشهم ، فمن حقّه أن يحمد عليها ولا يكفر . والباء على الأوّل ، وهو أن يعطف « ثُمَّ الَّذِينَ » على « الْحَمْدُ لِلَّهِ » ، متعلّقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة ، أي : يعدلون عنه ، ليقع الإنكار على نفس الفعل . وعلى الثاني ، وهو عطفه على قوله : « خَلَقَ » ، متعلّقة بيعدلون . والمعنى : انّ الكفّار يعدلون بربّهم الأوثان ؛ أي : يسوّونها به . « 1 » عن الصادق عليه السّلام : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » ردّ على الدهريّة الذين قالوا : إنّ الأشياء لا بدء لها وهي قائمة . « 2 » « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » . جعل يتعدّى إلى مفعول واحد ، إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ - كقوله : « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » - وإلى مفعولين ، إذا كان بمعنى صيّر . والفرق بين الخلق والجعل أنّ الخلق فيه معنى التقدير وفي الجعل معنى التضمين ؛ كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان إلى مكان . ومن ذلك : « وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها » . « 3 » « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » . لأنّ الظلمات من الأجرام المتكاثفة والنور من النار . وأمّا إفراد النور للقصد إلى الجنس ، أو لأنّ الظلمات كثيرة . لأنّه ما من جنس من أجناس الأجرام إلّا وله ظلّ وظلّه هو الظلمة ، بخلاف النور ؛ فإنّه من جنس واحد وهو النار . وقوله : « ثُمَّ الَّذِينَ » معطوف إمّا على قوله : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » ، على معنى أنّ اللّه حقيق بالحمد على ما خلق - لأنّه ما خلقه إلّا نعمة - ثمّ الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ، وإمّا على قوله : « خَلَقَ السَّماواتِ » على معنى أنّه خلق ما خلق ممّا لا يقدر عليه أحد سواه ، ثمّ هم يعدلون به ما

--> ( 1 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 292 . ( 2 ) - الاحتجاج 1 / 14 - 25 . ( 3 ) - الأعراف ( 7 ) / 189 .