السيد نعمة الله الجزائري

36

عقود المرجان في تفسير القرآن

« وَأَنْذِرْ بِهِ » . الضمير راجع إلى قوله : « ما يُوحى إِلَيَّ » . و « الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا » إمّا قوم داخلون في الإسلام مقرّون بالبعث إلّا أنّهم مفرّطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه « لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » ؛ أي : يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين ؛ وإمّا أهل الكتاب ، مقرّون بالبعث ؛ وإمّا ناس من المشركين علم من حالهم أنّهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقّا فيهلكوا ، فهم ممّن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار دون المتمرّدين منهم ، فأمر أن ينذر هؤلاء . « 1 » « لَيْسَ » . في موضع الحال من يحشروا . فإنّ المخوّف هو الحشر على هذه الحالة . « 2 » [ 52 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 52 ] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) « وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ » . ذكر غير المتّقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتّقوا ، ثمّ أردفهم ذكر المتّقين منهم وأمره بإكرامهم وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك . وأثنى عليهم بأنّهم يواصلون دعاء ربّهم - أي عبادته - ويواظبون عليها . والمراد بذكر الغداة والعشيّ الدوام . وقيل : معناه : يصلّون صلاة الصبح والعصر . ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله : « يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » . روي : انّ رؤساء من المشركين قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لو طردت هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المسلمين ، وهم عمّار وصهيب وخبّاب وسلمان وأضرابهم - وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من الصوف - جلسنا إليك وحادثناك . فقال صلّى اللّه عليه وآله : ما أنا بطارد المؤمنين . فقالوا : فأقمهم عنّا إذا جئنا . فإذا قمنا ، فأقعدهم عليك أين شئت . فقال : نعم ، طمعا في إيمانهم . قالوا : فاكتب بذلك كتابا . فدعا بالصحيفة وبعليّ عليه السّلام ليكتب . فنزلت . فرمى بالصحيفة . قال سلمان وخبّاب : فينا نزلت . فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقعد معنا ويدنو منّا وندنو منه حتى تمسّ ركبتنا ركبته . وكان يقوم عنّا إذا أراد القيام . فنزلت : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ »

--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 26 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 302 .