السيد نعمة الله الجزائري
350
عقود المرجان في تفسير القرآن
محمّدا من المدينة . فكان هؤلاء المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر . فمات قبل أن يبلغ ملك الروم . « وَلَيَحْلِفُنَّ » ؛ أي : يحلفون كاذبين : ما أردنا ببناء هذا المسجد إلّا الفعلة الحسنى من التوسعة على الضعفاء . فأطلع اللّه نبيّه على خبث سريرتهم فقال : « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » . فوجّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عند قدومه من تبوك جماعة فهدموا المسجد وأحرقوه وأمر بأن يتّخذ كناسة يلقى فيها الجيف . ثم نهى اللّه أن يقوم في هذا المسجد . « 1 » النزول : قال المفسّرون : إنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قباء وبعثوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأتاهم وصلّى فيه . فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا : نبني مسجدا نصلّي فيه ولا نحضر جماعة محمّد . وكانوا اثني عشر رجلا منهم ثعلبة بن حاطب ، فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء فأتوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا : إنّا بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة . وإنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه وتدعو بالبركة . فقال صلّى اللّه عليه وآله : إنّى على جناح سفر . ولو قدمنا لأتيناكم إن شاء اللّه فنصلّي لكم . فلمّا انصرف من تبوك ، نزلت عليه الآيات في شأن المسجد . « 2 » « وَتَفْرِيقاً » حتّى لا يجتمعوا للصلاة في مسجد قباء . ( ع ) « وَكُفْراً » : تقوية للنفاق . « مِنْ قَبْلُ » ؛ أي : اتّخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء في التخلّف . « 3 » [ 108 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 108 ] لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) « لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً » ؛ أي : لا تصلّ فيه أبدا . ثمّ أقسم فقال : « لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى » ؛ أي : بني أصله على تقوى اللّه وطاعته « مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ » وضع أساسه أولى بأن تصلّي فيه . وهو مسجد قباء ، أو مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، أو كلّ مسجد بني للإسلام . ثمّ وصف المسجد وأهله
--> ( 1 ) - مجمع البيان 5 / 110 . ( 2 ) - مجمع البيان 5 / 109 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 310 .