السيد نعمة الله الجزائري

330

عقود المرجان في تفسير القرآن

أهل طاعتي وسكّان جنّتي في جواري ، ألا هل أنبّئكم بخير ممّا أنتم فيه ؟ فيقولون : ربّنا ، وأيّ شيء خير ممّا نحن فيه فيما اشتهت أنفسنا ولذّت أعيننا ؟ [ قال : فيعود عليهم بالقول ، فيقولون : ربّنا نعم ، فأتنا بخير ممّا نحن فيه . فيقول لهم - تبارك وتعالى - : رضاي عنكم ومحبّتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه . قال : ] فيقولون : ربّنا نعم . يا ربّنا ، رضاك عنّا ومحبّتك لنا خير وأطيب لأنفسنا . ثمّ قرأ عليّ بن الحسين هذه الآية : « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ » إلى : « هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » . « 1 » « وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ » . ذكر المفسّرون في كون الرضوان أكبر وجوها . الأوّل : انّه لا يوجد شيء من اللّه سبحانه إلّا بالرضوان وهو الداعي إليه الموجب له . « 2 » الثاني : انّ ما يصل من السرور إلى القلب برضوان اللّه أكبر من جميع ذلك . « 3 » الثالث : انّه سبب للتعظيم والكرامة وهي أكبر أصناف الثواب . « 4 » أقول : لعلّ الوجه فيه : انّ ما تقدّم عليه من الكرامة بالجنّات والمساكن وما فيهما ، إنّما هي كلّها غذاء للأبدان ، فهي أغذية حسّيّة . وأمّا الرضوان وأضرابه من أنواع العلوم وضروب المعارف ، فهي أغذية معنويّة للأرواح . وكما أنّ الأرواح أشرف من الأبدان ، يكون ما فيه حياتها ونموّها وسرورها أفضل وأكمل . ولهذا لم يرغب الصدّيقون إلّا في طلب هذه الدرجة الرفيعة . وناهيك قول سيّد الموحّدين عليه السّلام : ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنّتك . وإنّما وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك . « 5 » ولمّا اختلفت الرغبات في درجات الآخرة ، عدّد سبحانه صنوف الدرجات إلى أن انتهى إلى مرتبة الرضوان . لأنّه ليس فوقها درجة . [ 73 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 73 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 )

--> ( 1 ) - تفسير العيّاشيّ 2 / 96 - 97 ، ح 88 . ( 2 ) - مجمع البيان 5 / 77 ، عن الجبّائيّ . وفيه : ( إنما صار الرضوان أكبر من الثواب لأنه لا يوجد شيء منه إلا بالرضوان وهو . . . ) وظاهر أنّ الضمير في « منه » يرجع إلى « الثواب » ( 3 ) - مجمع البيان 5 / 77 ، عن الحسن . ( 4 ) - الكشّاف 2 / 290 . ( 5 ) - بحار الأنوار 41 / 14 .