السيد نعمة الله الجزائري
267
عقود المرجان في تفسير القرآن
« يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ » حتّى قال قائل منهم : إنّما هم أكلة جزور . فإن قلت : ما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم ؟ قلت : قد قلّلهم في أعينهم قبل اللقاء ثمّ كثّرهم فيها بعده ليجترئوا عليهم ثمّ تبهتم الكثرة فيهابوا حين يرون ما لم يكن في حسابهم . وذلك قوله : « يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ » ولئلّا يستعدّوا لهم . « 1 » [ 45 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 45 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) « إِذا لَقِيتُمْ » ؛ أي : إذا حاربتم جماعة من الكفّار . واللقاء اسم للقتال . وَاذْكُرُوا اللَّهَ » . أي في مواطن الحرب مستظهرين بذكره داعين له على عدوّكم : اللاهمّ قّطع دابرهم . « تُفْلِحُونَ » ؛ أي : تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة . وفيه إشعار بأنّ على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربّه أشغل ما يكون قلبا وأن يكون نفسه مجتمعة لذلك وإن كانت متفرّقة عن غيره . وناهيك بما في خطب أمير المؤمنين عليه السّلام في أيّام صفّين وفي مشاهده مع البغاة والخوارج من البلاغة والبيان وبليغات المواعظ دليلا على أنّهم كانوا لا يشغلهم عن ذكر اللّه شاغل وإن تفاقم [ الأمر ] . « 2 » [ 46 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 46 ] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) « فَتَفْشَلُوا » . منصوب بإضمار أن ، أو مجزوم لدخوله في حكم النهي . والريح : الدولة . شبّهت في نفوذ أمرها وتمشّيه بالريح وهبوبها . فقيل : هبّت رياح فلان ، إذا دالت له الدولة . وقيل : لم يكن قطّ نصر إلّا بريح يبعثها اللّه . وفي الحديث : نصرت بالصبا . وأهلكت عاد بالدبور . حذّرهم بالنهي عن التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد لمخالفتهم رسول اللّه من فشلهم وذهاب ريحهم . « 3 »
--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 225 - 226 . ( 2 ) - الكشّاف 2 / 226 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 226 - 227 .