السيد نعمة الله الجزائري
259
عقود المرجان في تفسير القرآن
« وَإِذْ قالُوا » . قائله أبو جهل . « إِنْ كانَ هذا » ؛ يعني : إن كان القرآن هو الحقّ ، فعاقبنا على إنكاره بالسجّيل كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر . ومراده نفي كونه حقّا . وإذا انتفى كونه حقّا ، لم يستوجب منكره عذابا . فكان تعليق العذاب بكونه حقّا مع اعتقاد أنّه ليس بحقّ ، كتعليقه بالمحال في قولك : إن كان الباطل حقّا ، فأمطر علينا حجارة . وقوله : « هُوَ الْحَقَّ » تهكّم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين : وهذا هو الحقّ . « 1 » عن الصادق عليه السّلام : لمّا نصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عليّا عليه السّلام يوم غدير خمّ وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، قال له النعمان بن الحارث : لم ترض حتّى نصبت هذا الغلام ! فولّى وهو يقول : « اللَّهُمَّ إِنْ كانَ » - الآية . فرماه اللّه بحجر على رأسه . « 2 » [ 33 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 33 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) « وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ » ؛ أي : أهل مكّة بعذاب الاستئصال وأنت مقيم بين أظهرهم لفضلك يا محمّد . فإنّ اللّه بعثك رحمة للعالمين فلا يعذّبهم إلّا بعد إخراجك عنهم . عن ابن عبّاس : انّ اللّه سبحانه لم يعذّب قومه حتّى أخرجوه منها . « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » ؛ أي : وفيهم بقيّة من المؤمنين لم يهاجروا لعذر وكانوا على عزم الهجرة . فلمّا خرجوا ، أذن اللّه في فتح مكّة . وفي تفسير عليّ بن إبراهيم : لمّا قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لقريش : إنّي أقتل ملوك الدنيا وأجري الملك إليكم ، فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه ، تملكون بها العرب ويدين لكم العجم ، فقال أبو جهل : « اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا » - الآية - حسدا لرسول اللّه . ثمّ قال : غفرانك اللّهمّ ربّنا ، فأنزل اللّه : « وَما كانَ اللَّهُ » - الآية . « 3 » [ 34 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 34 ] وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 )
--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 216 . ( 2 ) - شواهد التنزيل 2 / 381 . ( 3 ) - مجمع البيان 4 / 829 .