السيد نعمة الله الجزائري

175

عقود المرجان في تفسير القرآن

« وَما يَكُونُ لَنا » ؛ أي : وما ينبغي وما يصحّ . « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » . فإن قلت : ما معنى المشيّة واللّه تعالى لا يشاء عود المؤمنين إلى الكفر ؟ قلت : معناه : إلّا أن يشاء اللّه خذلاننا ومنعنا الألطاف لعلمه أنّه لا ينتفع فينا ويكون عبثا . ويجوز أن يكون قوله : « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » حسما لطمعهم في العود . لأنّ مشيّة اللّه في العود محال خارج من الحكمة . « عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا » في أن يثبّتنا على الإيمان ويوفّقنا لازدياد الإيقان . « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا » ؛ أي : احكم وأظهر أمرنا حتّى يتفتّح بيننا « وَبَيْنَ قَوْمِنا » وينكشف بأن تنزل عليهم عذابا يتبيّن معه أنّهم على الباطل . « خَيْرُ الْفاتِحِينَ » . كقوله : « وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ » . فإن قلت : كيف أسلوب قوله : « قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ » ؟ قلت : هو إخبار مقيّد بالشرط . وفيه وجهان : أحدهما أن يكون كلاما مستأنفا فيه معنى التعجّب . كأنّهم قالوا : ما أكذبنا على اللّه إن عدنا في الكفر بعد الإسلام ! لأنّ المرتدّ أبلغ في الافتراء من الكافر . لأنّ الكافر مفتر على اللّه الكذب حيث يزعم أنّ للّه ندّا ولا ندّ له والمرتدّ مثله في ذلك وزائدا عليه حيث يزعم أنّه قد تبيّن له ما خفي عليه من التمييز بين الحقّ والباطل . والثاني أن يكون قسما على حذف اللّام بمعنى : واللّه لقد افترينا على اللّه كذبا . « 1 » « كَذِباً » فيما دعوناكم إليه . « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » . فيه أقوال : أحدها أن يراد بالملّة الشريعة فالمراد بها الفروع لا الأصول . فإنّ في شريعتهم أشياء يجوز أن يتعبّد اللّه بها . فكأنّه قال : إلّا أن [ يشاء اللّه أن ] يتعبّدنا بها وينقلنا إليها وينسخ ما نحن فيه من الشريعة . وثانيها أنّ المراد : إلّا أن يشاء اللّه أن يمكّنكم من إكراهنا ويخلّي بينكم وبينه فنعود إلى إظهارها مكرهين . وثالثها أن يعود [ الهاء ] في قوله : « فِيها » إلى القرية لا إلى الملّة فيكون المعنى : إنّا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم والظفر بكم فنعود إليها . ورابعها : إلّا أن يشاء اللّه مشيّة إلجاء واضطرار أن يردّكم إلى الحقّ فنكون جميعا على ملّة واحدة . « عِلْماً » . نصب على التمييز . « 2 »

--> ( 1 ) - الكشّاف 4 / 130 - 131 . ( 2 ) - مجمع البيان 4 / 691 - 692 .