السيد نعمة الله الجزائري

9

عقود المرجان في تفسير القرآن

لحالي وما أصابني من آثار التعب . فلمّا وجدنا صديقنا ، قعدنا معه في حجرته ، وأخذنا في اليوم الآخر لزيارة رجل فاضل وهو الشيخ البحرانيّ ، فكان يدرّس في شرح ألفيّة ابن مالك . فسلّمنا عليه وأمر لنا بالجلوس . فلمّا فرغ سألنا : من أين القدوم ؟ فحكينا له الأحوال . فقام معنا فأخذني إلى وراء أسطوانة المسجد فلزم أذني وعركها عركا شديدا وقال : أيّها الولد ، إن لم تجعل نفسك شيخا للعرب وتحبّ الرئاسة فيضيع به وقتك ، تصير رجلا فاضلا . فلزمت كلامه وانزويت عن الأحباب والأخلّاء في وقت قراءتي . فمضى معنا إلى متولّي المدرسة فعيّن لنا شيئا قليلا لا يفي بوجه من الوجوه . ثمّ شرعنا قراءة الدرس عند ذلك الشيخ وعند غيره . فلمّا مضت لنا أيّام قلائل ، قال لي أخي وصديقي : ينبغي أن نرجع إلى الجزائر . لأنّ المعاش قد ضاق علينا . فقلت لهم : أنا أكتب بالأجرة وأعبر أوقاتي . فكتبت بالأجرة لمعاشي وكاغذي وما أحتاج إليه . وكنت أيضا أكتب أربعة دروس للقراءة وأحشّيها وأصحّحها وحدي . وكان حالي في وقت الصيف الحارّ أنّ طلبة العلم يصعدون إلى سطح المدرسة وأنا أغلق باب الحجرة وأشرع في المطالعة والحواشي وتصحيح الدرس إلى أن يناجي المؤذّن قريب وقت الصبح ، ثمّ أضع وجهي على الكتاب وأنام لحظة . فإذا طلع الصبح شرعت في التدريس إلى وقت الظهر . فإذا أذّن المؤذّن قمت أسعى إلى درسي التي أقرؤها . فربّما أخذت قطعة خبز من دكّان الخبّاز في طريقي فآكلها وأنا أمشي . وفي أغلب الأوقات ما كان يحصل فأبقى إلى اللّيل . وكنت في أكثر أحوالي إذا جاء اللّيل لم أعلم أنّي أكلت شيئا في النهار أم لا ، فإذا تفكّرت تحقّقته أنّي لم آكل شيئا . فأتى لي زمان ما كان عندي دهن سراج للمطالعة ، فأخذت غرفة عالية وجلست بها وكان لها أبواب متعدّدة . فكنت إذا أضاء القمر فتحت كتابي للمطالعة . وكلّما دار القمر فتحت بابا من الأبواب . وبقيت على هذه الحالة مدّة سنتين ، فضعف بصري فهو ضعيف إلى هذا الآن . وكان لي درس أكتب حواشيه بعد صلاة الصبح في وقت الشتاء . وكان الدم يجري من