السيد نعمة الله الجزائري
57
عقود المرجان في تفسير القرآن
كذا في عيون الأخبار . والمفسّرون أضافوا إلى هذا المعنى الانتفاع الدنيويّ للأبدان . واستدلّوا بها على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة حتّى يظهر الدليل المخرج له . وأمّا المحدّثون من علمائنا ، حيث ذهبوا إلى أنّ ما ورد في الأخبار من أنّ للّه تعالى في كلّ شئ من الأشياء حكما خاصّا فإن بلغ إلينا وإلّا فالتوقّف واجب ، خصّوا هذه الآية بالمعنى الأوّل المذكور في الخبر . أقول : آخر الخبر فيه دلالة على قول المجتهدين أيضا . فلعلّه الأقوى والأظهر . « اسْتَوى » ؛ أي : قصد وأقبل واستولى . لعلّ في ظاهره منافاة لقوله : « وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » « 1 » . وأجاب عنه المفسّرون بوجهين . الأوّل : إنّ « ثُمَّ » ليس لترتيب الزمان ، بل لتفاوت بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض . « 2 » والثاني : انّه خلق مادّة الأرض ، أعني الزبد الذي كان على الماء قيل السماء ، لكنّه لم يدح الأرض ولم يبسطها على وجه الماء فدحاها بعد خلق السماوات « 3 » ، فلا منافاة حينئذ . وهذا المعنى وارد في الأخبار . فإنكار بعض المفسّرين له منكر . « هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ » . إشارة إلى نعمة أخرى . « فَسَوَّاهُنَّ » . ضمير الجمع لأنّ السماء اسم جنس . « سَبْعَ سَماواتٍ » . بدل من الضمير . « 4 » [ 30 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) « وَإِذْ قالَ » ؛ أي : اذكر - يا محمّد - في ذلك الوقت هذه النعمة . أو منصوب بقالوا . « 5 » « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ » . التسبيح : تبعيد اللّه عن السوء . وكذلك التقديس . و « بِحَمْدِكَ » في
--> ( 1 ) - النازعات ( 79 ) / 30 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 48 . ( 3 ) - مجمع البيان 1 / 173 . ( 4 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 48 . ( 5 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 49 ، ومجمع البيان 1 / 176 .