الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
550
تفسير روح البيان
هؤلاء الأمراء من القلب بادر لامتثال ما ورد عليه على حسب حقيقته وقس عليه الخواطر والوساوس فان عزم الإنسان يخرج كلا منها إلى الخارج ويجريها من طرق الحواس والقوى وقوله في صدور الناس يدل على أنه لا يوسوس في صدور الجن قال في آكام المرجان لم يرد دليل على أن الجنى يوسوس في صدور الجنى ويدخل فيه كما يدخل في الانسي ويجرى منه مجراه من الانسي مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ الجنة بالكسر جماعة الجن ومن بيان للذي يوسوس على أنه ضربان جنى وانسى كما قال تعالى شياطين الانس والجن والموسوس اليه نوع واحد وهو الانس فكما ار شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى فشيطان الانس يكون كذلك وذلك لأنه يلقى الأباطيل ويرى نفسه في صورة الناصح المشفق فان زجره السامع يخنس ويترك الوسوسة وان قبل السامع كلامه بالغ فيه قال في الأسئلة المقحمة من دعا غيره إلى الباطل فان تصوره في قلبه كان ذلك وسوسة وقد قال تعالى ونعلم ما توسوس به نفسه فإذا جاز أن توسوس نفسه جاز أن يوسوسه غيره فان حقيقة الوسواس لا تختلف باختلاف الاشخاص ويجوز أن تكون من متعلقة بيوسوس فتكون لابتداء الغاية اى يوسوس في صدورهم من جهة الجن انهم يعلمون الغيب ويضرون وينفعون ومن جهة الناس كالكهان والمنجمين كذلك وفي الجنة إشارة إلى القوى الباطنة المستجنة المستورة إذ سمى الجن بالجن لاستجنانه وفي الناس إلى القوى الظاهرة إذ الناس من الإيناس وهو الظهور كما قال آنست نارا وفي هذا المقام لطيفة بالغة وهي ان المستعاذ به في السورة الأولى مذكور بصفة واحدة وهي انه رب الفلق والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات وهي الغاسق والنفاثات والحاسد واما في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بثلاثة أوصاف وهي الرب والملك والإله والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة ومن المعلوم ان المطلوب كلما كان أهم والرعبة فيه أتم وأكثر كان ثناء الطالب قبل طلبه أكثر وأوفر والمطلوب في السورة المتقدمة هو سلامة البدن من الآفات المذكورة وفي هذه السورة سلامة الدين من وسوسة الشيطان فظهر بهذا ان في نظم السورتين الكريمتين تنبيها على أن سلامة الدين من وسوسة الشيطان وان كانت امرا واحدا الا انها أعظم مراد وأهم مطلوب وان سلامة البدن من تلك الآفات وان كانت أمورا متعددة ليست بتلك المثابة في الاهتمام وفي آكام المرجان سورة الناس مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي كلها وهو الشر الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة وسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه وهو شر من خارج فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه والشر الثاني يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهى وعن عائشة رضى اللّه عنها قالت كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما وقرأ قل هو اللّه أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجهه وما اقبل من جسده يصنع