الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
531
تفسير روح البيان
وأوصافه التامة عند التجريد بالحمد الفعلي وَاسْتَغْفِرْهُ هضما لنفسك واستقصارا لعملك واستعظاما لحقوق اللّه واستدراكا لما فرط منك من ترك الأولى أو استغفره لذنبك وللمؤمنين وهو المناسب لما في سورة محمد وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق حيث لم تشتغل على رؤية الناس باستغفارهم أولا مع أن رؤيتهم تستدعى ذلك بل اشتغل أولا بتسبيح اللّه وحمده لأنه رأى اللّه قبل رؤية الناس كما قيل ما رأيت شيأ الا ورأيت اللّه قبله وذلك لان الناس مرءاة العارف وصاحب المرآة يتوجه أولا إلى المرئي وبرؤية المرئي تلتفت نفسه إلى المرآة ولك ان تقول ان في التقديم المذكور تعليم أدب الدعاء وهو ان لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسؤول عنه عن عائشة رضى اللّه عنها انه كان عليه السلام يكثر قبل موته ان يقول سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك وعنه عليك السلام انى لاستغفر اللّه في اليوم والليلة مائة مرة ومنه يعلم أن ورد الاستغفار لا يسقط ابدا لأنه لا يخلو الإنسان عن الغين والتلوين وروى أنه لما قرأها النبي عليه السلام على أصحابه استبشروا وبكى العباس فقال عليه السلام ما يبكيك يا عم قال نعيت إليك نفسك اى ألقى إليك خبر موت نفسك والنعي ألقاء خبر الموت قال عليه السلام انها لكما تقول فلم ير عليه السلام بعد ذلك ضاحكا مستبشرا وقيل إن ابن عباس رضى اللّه عنهما هو الذي قال ذلك فقال عليه السلام لقد اوتى هذا الغلام علما كثيرا ولذلك كان عمر يدنيه ويأذن له مع أهل يدر ولعل ذلك للدلالة على تمام امر الدعوة وتكامل امر الدين كقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم والكمال دليل الزوال كما قيل . توقع زوالا إذا قيل تم . أو لان الأمر بالاستغفار تنبيه على قرب الاجل كأنه قال قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للامر ونبه به على أن العاقل إذا قرب اجله ينبغي ان يستكثر من التوبة وروى أنها لما نزلت خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال ان عبدا خيره اللّه بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللّه فعلم أبو بكر رضى اللّه عنه فقال فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا وعنه عليه السلام انه دعا فاطمة رضى اللّه عنها فقال يا بنتاه انه نعيت إلى نفسي يعنى خبر وفات من دهند نامه رسيد از ان جهان بهر مراجعت برم * عزم رجوع ميكنم رخت بچرخ ميبرم فبكت فقال لا تبكى فإنك أول أهلي لحوقا بي فضحكت وعن ابن مسعود ان هذه السورة تسمى سورة التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا قال على رضى اللّه عنه لما نزلت هذه السورة مرض رسول اللّه عليه السلام فخرج إلى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل فتوفى بعد أيام قال الحسن رحمه اللّه أعلم انه قد اقترب اجله فامر بالتسبيح والتوبة ليختم له بالعمل الصالح وفيه تنبيه لكل عاقل إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً مبالغا في قبول توبتهم منذ خلق المكلفين فليكن كل تائب مستغفر متوقعا للقبول وذلك ان قبول التوبة من الصفات الإضافية ولا منازعة في حدوثها فاندفع ما يرد ان المفهوم من الآية انه تعالى تواب في الماضي