الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
5
تفسير روح البيان
والطاعة وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان قال القاسم رحمه اللّه خاطبهم مخاطبة حال كونهم ذرا فسماهم كافرين ومؤمنين في أزله وأظهرهم حين أظهرهم على ما سماهم وقدر عليهم فأخبر بأنه علم ما يعملونه من خير وشر . واعلم أن اللّه تعالى يعلم لكنه يحلم ويقدر لكنه يغفر الا ان من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل ومن أقعده جده لم ينفعه كده قيل إن بعض الأكابر بلغه أن يهوديا أوصى أن يحمل من بلده إذا مات ويدفن في بيت المقدس فقال أيكابر الأزل أما علم أنه لو دفن في فراديس العلى لجاءت جهنم بأنكالها وحملته إلى نفسها والناس على أربعة أقسام أصحاب السوابق وهم الذين تكون فكرتهم ابدا فيما سبق لهم من اللّه لعلمهم ان الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبيد وأصحاب العواقب وهم الذين يكفرون ابدا فيما يختم به أمرهم فان الأمور بخواتمها والعاقبة مستورة ولهذا قيل لا يغرنكم صفاء الأوقات فان تحتها غوامض الآفات وأصحاب الوقت وهم الذين لا يتفكرون في السوابق ولا في اللواحق اى العواقب بل يشتغلون بمراعاة الوقت وأداء ما كلفوا من احكام ولهذا قيل العارف ابن وقته وقيل الصوفي من لا ماضي له ولا مستقبل ( وفي المثنوى ) صوفي ابن الوقت باشد اى رفيق * نيست فردا كفتن از شرط طريق والقسم الرابع هم الذين غلب عليهم ذكر الحق فهم مشغولون بشهود الموقت عن مراعاة الوقت وفي الآية إشارة إلى هويته المطلقة عن النسب والإضافات خلقكم اى تجلى لتعيناتكم الجنسية والنوعية والشخصية من غير تقييد وانحصار فمنكم اى فمن بعض هذه التعينات كافر يستر الحق المطلق بالخلق المقيد ويقول بالتفرقة دفعا لطعن الطاعن ومن بعض هذه التعينات مؤمن يؤمن بظهور الحق في الخلق ويستر الخلق بالحق ويقول بالجمعية تأنيسا للمكاشفين بالحقائق واللّه بما تعملون بصير من ستر الحق بالخلق دفعا للطاعن ومن ستر الخلق بالحق تأنيسا للطالب الواجد خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اى بالحكمة البالغة المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية والمراد السماوات السبع والأرضون السبع كما يدل عليه التصريح في بعض المواضع قال تعالى خلق سبع سماوات طباقا وقال تعالى اللّه الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن فان قلت ما وجه عدم ذكر العرش والكرسي في أمثال هذه المواضع مع عظم خلقهما قلت إنهما وان كانا من السماء لان السماء هو الفلك والفلك جسم شفاف محيط بالعالم وهما أوسع الأفلاك إحاطة الا ان آثارهما غير ظاهرة مكشوفة بخلاف السماوات والأرض وما بينهما فإنها أقرب إلى المخاطبين المكلفين ومعلوم حالها عندهم ومكشوفة آثارها ومنفعتها ولهذا قالوا إن الشمس تنضج الفواكه والقمر يلونها والكواكب تعطيها الطعم إلى غير ذلك مما لا يتناهى على أن التغيرات فيها اظهر فهي على عظم القدرة أدل وقد قال تعالى كل يوم هو في شأن وأكثر هذه الشؤون في عالم الكون والفساد الذي هو عبارة عن السماوات والأرض إذ هما من العنصريات بخلاف العرش والكرسي فإنهما من الطبيعيات ولهذا لا يفنيان وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ الفاء للتفسير اى صوركم أحسن تصوير وخلقكم في أحسن