الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
489
تفسير روح البيان
إضافة الدين إلى الملة باعتبار التغاير الاعتباري بينهما فان الشريعة المبلغة إلى الأمة بتبليغ الرسول إياها من قبل اللّه تسمى ملة باعتبار أنها تكتب وتملى ودينا باعتبار أنها تطاع فان الدين الطاعة يقال دان له اى أطاعه وقال بعضهم إضافة الدين إلى القيمة إضافة العام إلى الخاص كشجر الأراك ولا حاجة إلى تقدير الملة فان القيمة عبارة عن الملة كما يشهد له قراءة أبى رضى اللّه عنه وذلك الدين القيم انتهى ( وقال الكاشفي ) دين القيمة يعنى دين وملت درست است وپاينده . يعنى أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين والعرب تضعيف الشيء إلى نعته كثيرا ونجد هذا في القرآن في مواضع منها قوله ولدار الآخرة وقال في موضع وللدار الآخرة لأن الدار هي الآخرة وقال عذاب الحريق اى المحرق كالاليم بمعنى المؤلم وتقول دخلت مسجد الجامع ومسجد الحرام وأدخلك اللّه جنة الفردوس هذا وأمثاله وانث القيمة لأن الآيات هائية فرد الدين إلى الملة كما في كشف الاسرار والقيمة بمعنى المستقيمة التي لا عوج فيها وقال الراغب القيمة هنا اسم الأمة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله كنتم خير أمة قال ابن الشيخ بعض أهل الأديان لما بالغوا في باب الأعمال من غير احكام الأصول وهم اليهود والنصارى والمجوس فإنهم ربما اتعبوا أنفسهم في الطاعات ولكنهم ما حصلوا الدين الحق بتحصيل الاعتقاد المطابق وبعضهم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع وهم المرجئة الذين يقولون لا تضر المعصية مع الايمان فاللّه تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية وبين أنه لا بد من العلم والإخلاص في قوله مخلصين ومن العمل في قوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قال وذلك المجموع كله هو دين الملة المستقيمة المعتدلة فكما أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذلك هذا المجموع دين واحد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ بيان لحالهم الأخروي بعد بيان حالهم الدنيوي وذكر المشركين لئلا يتوهم اختصاص الحكم بأهل الكتاب حسب اختصاص مشاهدة شواهد النبوة في الكتاب بهم ومعنى كونهم فيها انهم يصيرون إليها يوم القيامة وإيراد الجملة الاسمية للايذان بتحقق مضمونها لا محالة أو أنهم فيها الآن اما على تنزيل ملابستهم لما يوجبها منزلة ملابستهم لها واما على أن ما هم فيه من الكفر والمعاصي عين النار الا أنها ظهرت في هذه النشأة بصورة عرضية وستخلعها في النشأة الآخرة وتظهر بصورتها الحقيقية خالِدِينَ فِيها حال من المستكن في الخبر واشتراك الفريقين في دخول دار العذاب بطريق الخلود لأجل كفرهم لا ينافي تفاوت عذابهم في الكيفية فان جهنم دركات وعذابها ألوان فالمشركون كانوا ينكرون الصانع والنبوة والقيامة وأهل الكتاب نبوة محمد عليه السلام فقط فكان كفرهم أخف من كفر المشركين لكنهم اشتركوا في أعظم الجنايات التي هي الكفر فاستحقوا أعظم العقوبات وهو الخلود ولما كفروا طلبا للرفعة صاروا إلى سفل السافلين فان جهنم نار في موضع عميق مظلم هائر يقال بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر واشتراكهم في هذا الجنس من العذاب لا يوجب اشتراكهم في نوعه أُولئِكَ البعداء المذكورون هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ البرية جميع الخلق لأن اللّه برأهم اى أوجدهم بعد العدم