الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
40
تفسير روح البيان
من غير عفو بنحو القحط والجوع والأمراض والأوجاع والسيف وتسليط الأعداء عليها وغير ذلك من البلايا مقدما معجلا على استئصالها وذوقها العذاب الأكبر لترجع إلى اللّه تعالى لان البلاء كالسوط للسوق فلم تفعل ولم ترفع رأسا فابتلاها اللّه بما فوق ذلك كما قال وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً اى منكرا عظيما هائلا متنفرا عنه بالطبع لشدته وإيلامه أو غير متوقع فإنهم كانوا لا يتوقعونه ولو قيل لهم لما يصدقونه والقهر الغير المتوقع أشد ألما واللطف الغير المتوقع أتم لذة وبالفارسية وعذاب كرديم ايشانرا عذابي چنانكه نديده بودند ونشناخته . وهو العذاب العاجل بالاستئصال بنحو الإغراق والإحراق والريح والصيحة فالنكر الأمر الصعب الذي لا يعرف والإنكار ضد العرفان . يقول الفقير أضاف اللّه المحاسبة والتعذيب إلى نفسه مع أن سببهما كان العتو عن امره وامر رسله لان الرسل كانوا فانين في اللّه فاتخذوا اللّه وكيلا في جميع أمورهم وتركوا التصرف والتعرض للقهر ونحوه وذلك انهم قد بعثوا بعد رسوخهم ولهذا صبروا على تكذيب أممهم لهم ولو بعثوا قبل الرسوخ ربما بطشوا بمن كذبهم واهلكوه وقس عليهم أحوال الكمل من الأولياء فَذاقَتْ پس بچشيدند أهل آن دية وَبالَ أَمْرِها اى ضرر كفرها وثقل عقوبة معاصيها اى أحسته احساس الذائق المطعوم وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً هائلا لاخسر وراءه يعنى زيانكارى وكدام زيان از ان بدتر كه از حيات ومنافع آن محروم شدند وبعقوبات مبتلى كشتند . فتجارتهم خسارة لاربح فيها لتضييعهم بضاعة العمر والصحة والفراغ بصرفها في المخالفات قال في المفردات الخسر والخسران انتقاض رأس المال وينسب إلى الإنسان فيقال خسر فلان والى الفعل فيقال خسرت تجارته ويستعمل ذلك في القنيات الخارجية كالمال والجاه في الدنيا وهو الأكثر وفي النفسية كالصحة والسلامة والعقل والايمان والثواب وفي الآية إشارة إلى أهل قرية الوجود الإنساني وهو النفس والهوى وسائر القوى فإنها أعرضت عن حكم الروح فلم تدخل في حكم الشريعة وكذا عن متابعة امر القلب والسر والخفي فعذبت بعذاب الحجاب واستهلكت في بحر الدنيا وشهواتها ولذاتها وكان عاقبة أمرها خسران الضلالة ونيران الجهالة أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مع ذلك في الآخرة ولام لهم لام التخصيص لا لام النفع كما في قولهم دعاله في مقابلة دعا عليه عَذاباً شَدِيداً اى قدره في علمه على حسب حكمته أو هيأ أسبابه في جهنم بحيث لا يوصف كنهه فهم أهل الحساب والعذاب في الدنيا والآخرة لا في الدنيا فقط فان ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم لعدم رجوعهم عن الكفر فعذبوا بعذاب الآخرة أيضا وهذا المعنى من قوله فحاسبناها إلى هنا هو اللائق بالنظم الكريم هكذا ألهمت به حين المطالعة ثم وجدت في تفسير الكواشي وكشف الاسرار وأبى الليث والأسئلة المقحمة ما يدل على ذلك والحمد للّه تعالى فلا حاجة إلى أن يقال فيه تقديما وتأخيرا وان المعنى انا عذبناها عذابا شديدا في الدنيا ونحاسبها حسابا شديدا في الآخرة على أن لفظ الماضي للتحقيق كأكثر ألفاظ القيامة فان فيه وفي نحوه تكلفا بينا على ما ارتكبه من يعد من اجلاء المفسرين ودل قوله في الأثر حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا