الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

353

تفسير روح البيان

كمال العلم والاطلاع ألا ترى إلى قوله تعالى لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا فان توليه وامتلاءه من الرعب ليس عن رؤية أجسامهم فقط لأنهم أناس مثله وانما هو لما اطلعه اللّه عليه حين رويتهم من العلم كما غشى على جبريل ليلة الإسراء حين رأى الرفرف ولم يغش على رسول اللّه وقال عليه السلام فعلمت فضل جبريل في العلم فكأنه عليه السلام أشار إلى فضل نفسه أيضا لما غشى عليه برؤية جبريل على صورته الأصلية وانما لم يغش عليه حين رأى الرفرف كما غشى على جبريل لأنه إذ ذاك في نهاية التمكين وفرق بين البداية والنهاية واللّه اعلم قال القاشاني ولقدرآء بالأفق المبين اى نهاية طور القلب الذي يلي الروح وهو مكان إلقاء النافث القدسي على أن المراد بالرسول روح القدس النافث في روع الإنسان وقال في التأويلات النجمية اى رأى جبريل الروح حضرة ربه عند أفق البقاء بعد الفناء وَما هُوَ اى رسول اللّه عَلَى الْغَيْبِ اى على ما يخبره من الوحي اليه وغيره من الغيوب بِضَنِينٍ اى ببخيل اى لا يبخل بالوحي فيزوى بعضه غير مبلغه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا اى اجرة أو يسأل تعليمه فلا يعلمه وفيه إشارة إلى أن إمساك العلم عن أهله بخل من ضن بالشيء يضن بالفتح ضنا بالكسر وضنانة بالفتح اى بخل فهو ضنين به ى بخيل ويضن بالكسر لغة والفتح افصح ذكره البيهقي في تهذيب المصادر في باب ضرب حيث قال الضن والضنانة بخيلي كردن . والغابر يضن والفتح أفصح فيكون من باب علم كما صرح به بعضهم بقوله هو من ضننت بالشيء بكسر النون وهو قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر قال في النشر كذلك هو في جميع المصاحف اى المصاحف التي يتداولها الناس والا فهو في مصحف عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه بالظاء وقرئ بظنين على أنه فعيل بمعنى المفعول اى بمتهم اى هو ثقة في جميع ما يخبره لا يتوهم فيه انه ينطق عن الهوى من الظنة وهي التهمة واتهمت فلانا بكذا توهمت فيه ذلك اختار أبو عبيدة هذه القراءة لان الكفار لم يبخلوه وانما اتهموه فنفى التهمة أولى من نفى البخل ولان البخل يتعدى بالباء لا بعلى وفي الكشاف هو في مصحف عبد اللّه بالظاء وفي مصحف أبى بالضاد وكان رسول اللّه عليه السلام يقرأ بهما ولا بد للقارئ من معرفة مخرجى الضاد والظاء فان مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره ومخرج الظاء من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا فان قيل فان وضع المصلى أحد الحرفين مكان الآخر قلنا قال في المحيط البرهاني إذا أتى بالظاء مكان الضاد أو على العكس فالقياس أن تفسد صلاته وهو قول عامة المشايخ وقال مشايخنا بعدم الفساد للضرورة في حق العامة خصوصا العجم فان أكثرهم لا يفرقون بين الحرفين وان فرقوا ففرقا غير صواب وفي الخلاصة لو قرأ بالظاء مكان الضاد أو بالضاد مكان الظاء تفسد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد واما عند عامة المشايخ كأبى مطيع البلخي ومحمد بن سلمة لا تفسد صلاته وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ اى قول بعض المسترقة للسمع دل عليه توصيفه بالرجيم لأنه بمعنى المرمى بالشهب وهو نفى لقولهم