الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

349

تفسير روح البيان

وفي الحديث العبد المؤمن بين مخافتين عمر قد مضى لا تدرى ما اللّه صانع فيه وأجل قد بقي لا يدرى ما اللّه قاض فيه فليتزود العبد لنفسه من نفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات فو اللّه ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا الا الجنة والنار وقال الواسطي قدس سره في الآية علمت كل نفس وأيقنت ان ما علمت واجتهدت لا يصلح لذلك المشهد وان من أكرم بخلع الفضل نجا ومن قرن بجزاء اعماله هلك وخاب وفي برهان القرآن هنا علمت نفس ما أحضرت وفي الانفطار وما قدمت وأخرت لان ما في هذه السورة متصل بقوله وإذا القبور بعثرت والقبور كانت في الدنيا فتتذكر ما قدمت في الدنيا وما أخرت للعقبى فكل خاتمة لائقة بمكانها وهذه السورة من أولها إلى آخرها شرط وجزاء وقسم وجواب فَلا أُقْسِمُ لا صلة أورد لكلام سابق اى ليس الأمر كما تزعمون أيها الكفرة من أن القرآن سحر أو شعر أو أساطير ثم ابتدأ فقال اقسم بِالْخُنَّسِ جمع خانس وهو المتأخر من خنس الرجل عن القوم خنوسا من باب دخل إذا تأخر وأصل الخنوس الرجوع إلى خلف والخناس الشيطان لأنه يضع خرطومه على قلب العبد فإذا ذكر اللّه خنس وإذا غفل عاد إلى الوسوسة والمعنى اقسم بالكواكب الرواجع وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة وهي المريخ بالكسر ويسمى بهرام أيضا وزخل ويسمى كيوان أيضا وعطارد ويسمى الكاتب أيضا والزهرة وتسمى اناهيذ أيضا والمشترى ويسمى راويس وبرجيس أيضا وما من نجم يقطع المجرة غير الخمسة فلذا خصها ونظمها بعضهم والنيرين فقال هفت كوكب كه هست كبتى را * كاه از ايشان مدار وكاه خلل قمرست وعطارد وزهره * شمس ومريخ ومشترى وزحل وهي الكواكب السبعة السيارة كل منها يجرى في فلك فالقمر في الأول وما يليه في الثاني وهكذا على الترتيب الْجَوارِ الْكُنَّسِ الجواري جمع جارية بمعنى سائرة والكنس جمع كانس وهو الداخل في الكناس المستتر به وصفت الخنس بهما لأنها تجرى في أفلاكها أو بأنفسها على ما عليه أهل الظواهر مع الشمس والقمر وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها بينا ترى النجم في آخر البرج اذكر راجعا إلى أوله فرجوعه من آخر البرج إلى أوله هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها واما القمر ان فلا يكنسان بهذا المعنى قال في عين المعاني لخنوسها في مجراها واستتارها في كناسها اى موضع استتارها فيه كما تكنس الظباء انتهى من كنس الوحش من باب جلس إذا دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر وقبل جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل اى تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها وفي التأويلات التجمية يشير إلى الحواس الخمس الباطنة السيارة مع شمس الروح وقمر القلب لرواجع إلى بروجها بالاختفاء بحسب شعاع شمس الروح وقمر القلب لغلبة اشعتهما عليهن والدراري الخمسة الزهرة وعطارد والمشترى