الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
320
تفسير روح البيان
هو عالم الروح المجرد لتقدسه عن التعلق بالمواد واسمه طوى لانطوآء الموجودات كلها من الأجسام والنفوس تحته وفي طبه وقهره وهو عالم الصفات ومقام المكالمة من تجلياتها فلذلك ناداه بهذا الوادي ونهاية هذا العالم هو الأفق الأعلى الذي رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنده جبريل على صورته اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ على إرادة القول اى فقال له اذهب إلى فرعون إِنَّهُ طَغى تعليل للامر أو لوجوب الامتثال به والطغيان مجاوزة الحد أي طغى على الخالق بأن كفر به وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم فكما ان كمال العبودية لا يكون الا بالصدق مع الحق وحسن الخلق مع الخلق فكذا كمال الطغيان يكون بسوء المعاملة معهما وقال القاشاني اى ظهر بأنانيته وذلك ان فرعون كان ذا نفس قوية حكيما عالما سلك وادي الافعال وقطع بوادي الصفات واحتجب بأنانيته وانتحل صفات الربوبية ونسبها إلى نفسه وذلك تفرعنه وجبروته وطغيانه فكان ممن قال فيه عليه السلام شر الناس من قامت القيامة عليه فهو حي لقيامة بنفسه وهواها في مقام توحيد الصفات وذلك من أقوى الحجب فَقُلْ بعد ما أتيته هَلْ لَكَ رغبة وتوجه إِلى أَنْ تَزَكَّى بحذف احدى التاءين من تتزكى اى تتطهر من دنس الكفر والطغيان ووسخ الكدورات البشرية والقاذورات الطبيعية فقوله لك خبر مبتدأ محذوف وإلى أن متعلق بذلك المبتدأ المضمر وقد يقال قوله هل لك مجاز عن اجذبك وأدعوك والقرينة هي القربية وهي المجاورة وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ وأرشدك إلى معرفته فتعرفه أشار إلى أن في النظم مضافا مضمرا وتقديم التزكية لتقدم التخلية على التحلية فَتَخْشى إذا لخشية لا تكون الا بعد معرفته قال تعالى انما يخشى اللّه من عباده العلماء اى العلماء باللّه قيل إنه تعالى قال في آخره ولن يفعل فقال موسى فكيف امضى اليه وقد علمت أنه لن يفعل فأوحى اليه ان امض لما تؤمر فان في السماء اثنى عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يدركوه وجعل الخشية غاية للهداية لأنها ملاك الأمر لان من خشي اللّه أتى منه كل خير ومن أمن اجترأ على كل شر كما قال عليه السلام من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل يقال أدلج القوم إذا ساروا من أول الليل وان ساروا من آخر الليل فقد ادلجوا بالتسديد ثم إنه تعالى أمر موسى عليه السلام بأن يخاطبه بالاستفهام الذي معناه العرض ليشتدعيه بالتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من عتوه وهذا ضرب تفصيل لقوله تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو بخشي اما كونه لينا فلانه في صورة العرض لا في صورة الأمر صريحا وليس فيه أيضا ذكر نحو الشرك والجهل والكفران من متعلقات التزكى واما اشتماله على بعض التفصيل فظاهر فَأَراهُ پس بنمود أو را موسى الْآيَةَ الْكُبْرى الفاء فصيحة تفصح عن جمل قد طويت تعويلا على تفصيلها في السور الأخرى فإنه جرى بينه وبين فرعون ما جرى من المحاورات إلى أن قال كنت جئت بآية فائت بها ان كنت من الصادقين اى فذهب اليه موسى بأمر اللّه فدعاه إلى التوحيد والطاعة وطلب هو منه المعجزة الدالة على صدقه في دعوته والإراءة اما من التبصير أو التعريف فان اللعين