الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

316

تفسير روح البيان

فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً عطف على السابقات بالفاء للدلالة على ترتب التدبير على السبق بغير تراخ والتدبير التفكر في دبر الأمور وامرا مفعول للمدبرات قال الراغب يعنى الملائكة الموكلين بتدبير الأمور انتهى اى التي تدبر امرا من الأمور الدنيوية والأخروية للعباد كما رسم لهم من غير تفريط وتقصير والمقسم عليه محذوف وهو لتبعثن لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة وجه البعث ان الموت يستدعيه للاجر والجزاء لئلا يستمر الظلم والجور في الوجود وما ربك بظلام للعبيد فكان اللّه تعالى يقول إن الملائكة ينزلون لقبض الأرواح عند منتهى الآجال ثم ينجر الأمر إلى البعث لما ذكر فكان من شأن من يقر بالموت أن يقر بالبعث فلذا جمع بين القسم بالنازعات وبين البعث الذي هو الجواب وفي عنوان هذه السورة وجوه كثيرة صفحنا عن ذكرها واخترنا سوق الكشاف فإنه هو الذي يقتضيه جزالة التنزيل وقال القاشاني اقسم بالنفوس المشتاقة التي غلب عليها النزوع إلى جناب الحق غريقة في بحار الشوق والمحبة والتي تنشط من مقر النفس وأسر الطبيعة اى تخرج من قيود صفاتها وعلائق البدن من قولهم نور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد أو من قولهم نشط من عقاله والتي تسبح في بحار الصفات فتسبق إلى عين الذات ومقام الفناء في الوحدة فتدبر بالرجوع إلى الكثرة امر الدعوة إلى الحق والهداية وأمر النظام في مقام التفصيل بعد الجمع انتهى ثم إن النفوس الشريفة لا يبعد أن يظهر منها آثار في هذا العالم سواء كانت مفارقة عن الأبدان أو لا فتكون مدبرات ألا ترى ان الإنسان قد يرى في المنام ان بعض الأموات برشده إلى مطلوبه ويرى أستاذه فيسأله عن مسألة فيحلها له سئل زرارة بعد أن توفى رضى اللّه عنه في المنام اى الأعمال أفضل عندكم فقال الرضى وقصر الأمل وعن بعضهم رأيت ورقاء بن بشر رحمه اللّه في المنام فقلت ما فعل اللّه بك قال نجوت بعد كل جهد قلت فأي الأعمال وجدتموها أفضل قال البكاء من خشية اللّه وقال بعضهم هلكت جارية في الطاعون فرآها أبوها في المنام فقال لها يا بنية أخبريني عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على امر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون واللّه لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في صحيفة عملي أحب إلى من الدنيا وما فيها ونظائره كثيرة لا تحصى وقد يدخل بعض الاحياء من جدار ونحوه على بعض من له حاجة فبقضيها وذلك على خرق العادة فإذا كان التدبير بيد الروح وهو في هذا الموطن فكذا إذا انتقل منه إلى البرزخ بل هو بعد مفارقته البدن أشد تأثيرا وتدبيرا لان الجسد حجاب في الجملة ألا ترى ان الشمس أشد احراقا إذا لم يحجبها غمام أو نحوه يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ منصوب بالجواب المضمر وهو لتبعثن والمراد بالراجفة الواقعة التي ترجف عندها الاجرام الساكنة كالأرض والجبال اى تتحرك حركة شديدة وتتزلزل زلزلة عظيمة من هول ذلك اليوم وهي النفخة الأولى أسند إليها الرجف مجازا على طريق اسناد الفعل إلى سببه فان حدوث تلك النفخة سبب لاضطراب الاجرام الساكنة من الرجفان وهي شدة الاضطراب ومنه الرجفة للزلزلة لما فيه من شدة الاضطراب وكثرة الانقلاب وفيه اشعار بأن تغير السفلى مقدم على تغير العلوي وان لم يكن مقطوعا تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ اى الواقعة التي تردف الأولى اى تجيئ