الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

302

تفسير روح البيان

كالمرصد لكن يقال للمكان الذي اختص بالترصد والترقب وقوله ان جهنم كانت مرصادا تنبيه على أن عليها مجاز الناس انتهى كأنه عمم المرصاد حيث إن الصراط محبس للأعداء وممر للاوليا والأول أولى لان الترصد في مثل ذلك المكان الهائل انما هو للتعذيب وهو للكفار والأشقياء لِلطَّاغِينَ متعلق بمضمر هو إما نعت لمرصادا اى كائنا للطاغين وقوله تعالى مَآباً بدل منه اى مرجعا يرجعون اليه لا محالة واما حال من مأبا قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له قالوا الطاغي من طغى في دينه بالكفر وفي دنياه بالظلم وهو في اللغة من جاوز الحد في العصيان والمراد هنا المشركون لما دل عليه ما بعده من الآيات وعدانهم لا يتناهى لكون اعتقادهم باطلا وكذا إذا لم يعتقدوا شيأ أصلا وان كان الاعتقاد صحيحا كالمؤمن العاصي فعذابه متناه لابِثِينَ فِيها حال مقدرة من المستكن في للطاغين اى مقدرين اللبث فيها واللبث أن يستقر في المكان ولا يكاد ينفك عنه يقال لبث بالمكان أقام به ملازما له أَحْقاباً ظرف للثهم وهو جمع حقب وهو ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون كما في القاموس وأصل الحقب من الترادف والتتابع يقال أحقب إذا أردف ومنه الحقيبة وهي الرفادة في مؤخر القتب وكل ما شد في مؤخر رحل أو قتب فقد احتقب والمحقب المردف وفي تاج المصادر الأحقاب در حقيبه نهادن . ومنه الحديث فأحقبها على ناقة اى أردفها على حقيبة الرحل والارداف از پى فرا شدن واز پى كسى در نشستن ودر نشاندن فمعنى أحقابا دهورا متتابعة كلما مضى حقب تبعة حقب آخر إلى غير نهاية فان الحقب لا يكاد يستعمل الا لا يراد تتابع الأزمنة وتواليها كما قال أبو الليث انما ذكر أحقابا لان ذلك كان ابعد شئ عندهم فذكر وتكلم بما يذهب اليه أوهامهم ويعرفونها وهو كناية عن التأبيد اى يمكثون فيها ابدا انتهى دل عليه ان عمر رضى اللّه عنه سأل رجلا من هجر عن الأحقاب فقال ثمانون سنة كل يوم منها الف سنة انتهى فإنهم انما يريدون بمثله التأبيد وكذا ما قال مجاهد ان الأحقاب ثلاثة وأربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ألف سنة من أيام الدنيا كما روى ابن عباس وابن عمر رضى اللّه عنهم وكذا لو أريد بالحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها ألف سنة كما روى عن الحبس البصري رحمه اللّه وقال الراغب والصحيح ان الحقبة مدة من الزمان مهمة اى لا ثمانون عاما وكذا قال في لقاموس الحقبة بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها انتهى والحاصل ان الأحقاب يدل على التناهي فهو وان كان جمع قلة لكنه بمنزلة جمع كثرة وهو الحقوب أو بمنزلة الأحقاب المعرف بلام الاستغراق ولو كان فيه ما يدل على خروجهم منها فدلالته من قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار كقوله تعالى يريدون ان يخرجوا من النار وما هم يخارجين منها ولهم عذاب مقيم لان المنطوق راجح على المفهوم فلا يعارضه وقال أبو حيان المدة منسوخة بقوله فلن نزيدكم الا عذابا انتهى وسيأتي وجوه أخر لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً جملة مبتدأة ومعنى لا يذوقون لا يحسون والا فأصل الذوق وجود الطعم و ( قال الكاشفي ) يعنى نمى نمايند الا أن يكون ذلك باعتبار الشراب والذوق في التعارف وان كان للقليل فهو صالح للكثير