الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
298
تفسير روح البيان
ومن السماء مجاز باعتبار السببية واللّه مسبب الأسباب لِنُخْرِجَ بِهِ اى بذلك الماء اى بسبب وصوله إلى الأرض واختلاطه بها وبما فيها وهذه اللام لام المصلحة لا لام الغرض كما تقول المعتزلة حَبًّا كثيرا يقتات به اى يكون قوتا للانسان وهو ما يقوم به بدنه كالحنظه والشعير ونحوهما وفي عين المعاني الحب اسم جنس يعنى به الجمع قال الراغب الحب والحبة يعنى بالفتح يقال في الحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات والحب والحبة يعنى بالكسر يقال في بزور الرياحين وحبة القلب تشبيها بالحبة في الهيئة وَنَباتاً كثيرا يعتلف به اى يكون علفا للحيوان كالتبن والحشيش كما قال تعالى كلوا وارعوا انعامكم وتقديم الحب مع تأخره عن النبات في الإخراج لأصالته وشرفه لان غالبه غذآء الناس ويقال لنخرج به لؤلؤا وعشبا قال عكرمة ما انزل اللّه قطرة الا أنبت بها عشبة في الأرض أو لؤلؤة في البحر انتهى وهو مخالف للمشهور من أن اللؤلؤ لا يتكون من كل مطر بل من المطر النازل في نيسان الا ان يعمم اللؤلؤ إلى الدر وغيره وَجَنَّاتٍ ليتفكه بها الإنسان والجنة في الأصل هي السترة من مصدر جنه إذا ستره تطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه وعلى الأرض ذات الشجر قال الفراء الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم والمراد هنا هو الأشجار لا الأرض أَلْفافاً اى ملتفة تداخل بعضها في بعض وهذا من محسنات الجنان كما ترى في بساتين الدنيا وبالفارسية درهم پيچيده يعنى بسيار وبيكديكر نزديك . قالوا لا واحد له كالاوزاع والاخياف الأوزاع بمعنى الجماعات المتفرقة كالاخياف فإنه أيضا بمعنى الجماعات المتفرقة المختلطة ومنه الاخياف للاخوة من آباء شتى وأمهم واحدة أو الواحد لف ككن وأكنان أو لفيف كشريف واشراف وهو جمع لف جمع لفاء كخضر وخضراء فيكون ألفافا جمع الجمع أو جمع ملتفة بحذف الزوائد قال ابن الشيخ قدم ذا الحب لأنه هو الأصل في الغذاء وثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات اليه وأخرت الجنات لانعدام الحاجة الضرورية إلى الفواكه . واعلم أن فيما ذكر من أفعاله تعالى دلالة على صحة البعث وحقيته من وجوه ثلاثة الأول باعتبار قدرته تعالى فان من قدر على إنشاء هذه الأفعال البديعة من غير مثال يحتذيه وقانون ينتحيه كان على الإعادة أقدر وأقوى والثاني باعتبار علمه وحكمته فان من أبدع هذه المصنوعات على نمط رائق مستتبع لغايات جليلة ومنافع جميلة عائدة إلى الخلق يستحيل ان يفنيها بالكلية ولا يجعل لها عاقبة باقية والثالث باعتبار نفس الفعل فان اليقظة بعد لنوم أنموذج للبعث بعد الموت يشاهدونها كل يوم وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض الميتة يعاينونه كل حين كأنه قيل ألم تفعل هذه الأفعال الآفاقية والانفسية الدالة بفنون الدلالات على حقية البعث الموجبة للايمان به فما لكم تخوضون فيه إنكارا ونتساءلون عنه استهزاء وفي التأويلات النجمية وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا اى من سماوات الأرواح بتحريك نفحات الألطاف مياه العلوم الذاتية والحكم الربانية صبا صبا لتخرج به حبا ونباتا اى أنزلنا من سبحائب سماوات أرواحكم على ارض قلوبكم ماء العلوم والحكم لتخرج به حب المحبة الذاتية ونبات الشوق والاشتياق والود والانزعاج والعشق وأمثالها وجنات