الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
217
تفسير روح البيان
على التمثيل بأن شبه اليوم في شدة هوله بالزمان الذي يشيب الشبان لكثرة همومه وأهواله وأصله ان الهموم والأحزان إذا تفاقمت على المرء ضعفت قواه واسرع فيه الشيب لان كثرة الهموم توجب انعصار الروح إلى داخل القلب وذلك الانعصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وضعفها وانطفاؤها يوجب بقاء الاجزاء الغدائية غير تامة النضج وذلك يوجب بياض الشعر ومسارعة الشيب بتقدير العزيز الحكيم كما يوجب تغير القلب تغير البشرة فتحصل الصفرة من الوجل والحمرة من الخجل والسواد من بعض الآلام وما على البدن من الشعر تابع للبدن فتغيره يوجب تغيره فثبت ان كثرة الهموم توجب مسارعة الشيب كما قيل دهتنا أمور تشيب الوليد * ويخذل فيها الصديق الصديق فلما كان حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوه كناية عن الشدة فجعل اليوم المذكور الولدان شيبا عبارة عن كونه يوما شديدا غاية الشدة وفي الحديث ( يقول اللّه ) اى في يوم القيامة ( يا آدم ) خص آدم عليه السلام بهذا الخطاب لأنه أصل الجمع ( فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول اخرج ببعث النار ) اى ميزاهلها المبعوث إليها ( قال وما بعث النار ) اى عدده ( قال اللّه تعالى من كل ألف تسعمائة تسعة وتسعون قال ) اى النبي عليه السلام ( فذلك ) التقاول ( حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها ) قال ابن الملك اعلم أن الشيب والوضع ليسا على ظاهر هما إذ ليس في ذلك اليوم حبل ولا صغير بل هما كنايتان عن شدة أهوال يوم القيامة معناه لو تصورت الحوامل والصغار هنالك لوضعن احمالهن ولشاب الصغار انتهى . وفي بيانه نظر ستأتي الإشارة اليه في الوجه الثالث ( وترى الناس سكارى ) اى من الخوف ( وما هم بسكارى ) اى من الخمر ( ولكن عذاب اللّه شديد ) . والثالث انه محمول على الفرض والتقدير بأن يكون معناه ان ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة والدهشة وهذا الوجه غير موجه وان ذهب اليه بعض من يعد من أجلة أهل التفسير إذ هو يشعر بأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان حقيقة وقد ثبت انه يبعث يومئذ ولدان كثيرة ماتوا في الصغر وكذا من المقرر أن الحبلى تبعث حبلى ففي ذلك اليوم حبل وضغير نعم إذا دخلوا الجنة صارو بناء ثلاث وثلاثين . والرابع انه يجوز ذلك وصفا لليوم بالطول يعنى على الكناية بأنه في طوله بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب وهو لا ينقضى بعد بل يمتد إلى حيث يكون مقداره خمسين ألف سنة فهو كناية عن غاية الطول لا انه تقدير حقيقي يعنى أن هذا على عادة العرب في التعبير عن الطول على سبيل التمثيل كما يعبرون عن التأييد وعدم الانقطاع بقولهم ما ناحت حمامة وما لاح كوكب وما تعاقبت الأيام والشهور وفي الآية إشارة إلى النفس والهوى وبعد نفوسهم من اللّه في يوم قيامة الفناء الذي يجعل ولدان أعمالهم السيئة القبيحة الخبيثة الخسيسة شيبا منهدمة متفانية السَّماءُ مبتدأ خبره قوله مُنْفَطِرٌ بِهِ اى منشق بسبب ذلك اليوم لان اللّه تعالى مسبب الأسباب فيجوز أن يجعل شدة ذلك اليوم سببا للانفطار . ذكر اللّه من هول ذلك اليوم أمرين الأول قوله تعالى يجعل الولدان شيبا