الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
214
تفسير روح البيان
بناز زيستن . وفيه إشارة إلى أن متعلق الذم ليس نفس النعمة والرزق بل التنعم بهما كان قال عليه السلام لمعاذ رضى اللّه عنه حين بعثه إلى اليمن واليا إياك والتنعم فان عباد اللّه ليسوا بالمتنعمين وفيه تسلية للفقراء فإنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام وَمَهِّلْهُمْ التمهيل زمان دادن . والمهل التؤدة والسكون يقال مهل في فعله وعمل في مهلة قَلِيلًا اى زمانا قليلا وأجلهم أجلا يسيرا ولا تعجل فان اللّه سيعذبهم في الآخرة إذ عمر الدنيا قليل وكل آت قريب ويدل على هذا المعنى ما بعد الآية من بيان عذاب الآخرة وقال الطبري كان بين نزول هذه الآية ووقعة بدر زمان يسير ولذا قيل إنها مدنية إِنَّ لَدَيْنا في الآخرة وفيما هيأناه للعصاة من آلات العذاب وأسبابه وهو أولى من قول بعضهم في علمنا وتقديرنا لان المقام مقام تهديد العصاة فوجود آلات العذاب بالفعل أشد تأثيرا على أن تلك الآلات صور الأعمال القبيحة ولا شك ان معاصري النبي عليه السلام من الكفار قد قدموا تلك الآلات بما فعلوا من السيئات أَنْكالًا قيودا ثقالا يقيد بها أرجل المجرمين إهانة لهم وتعذيبا لا خوفا من فرارهم جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل والجملة تعليل للامر من حيث إن تعداد ما عنده من أسباب التعذيب الشديد في حكم بيان اقتداره على الانتقام منهم فهم يتنعمون في الدنيا ولا يبالون وعند اللّه العزيز المنتقم في الآخرة أمور مضادة لتنعمهم وَجَحِيماً وبالفارسية وآتشى عظيم . وهي كل نار عظيمة في مهواة وفي الكشاف هي النار الشديدة الحر والاتقاد وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ هو ما ينشب في الحلق ويعلق من عظم وغيره فلا ينساغ اى طعاما غير سائغ يأخذ بالحلق لا هو نازل ولا هو خارج كالضريع والزقوم وهما في الدنيا من النباتات والأشجار سمان قاتلان للحيوان الذي يأكلهما مستكرهان عند الناس فما ظنك بضريع جهنم وزقومها وهو في مقابلة الهنيء والمريء لأهل الجنة وانما ابتلوا بهما لأنهم أكلوا نعمة اللّه وكفروا بها وَعَذاباً أَلِيماً ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه كما يدل عليه التنكير كل ذلك معدلهم ومرصد فالمراد بالعذاب سائر أنواع العذاب جاء في التفسير انه لما نزلت هذه الآية خر النبي عليه السلام مغشيا عليه وعن الحسن البصري قدس سره انه امسى صائما فاتى بطعام فعرضت له هذه ، الآية فقال ارفعه ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال ارفعه وكذلك الثالثة فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤوا فلم يزالوا حتى شرب شربة من سويق . اعلم أن أصناف العذاب الروحاني في الآخرة ثلاثة حرقة فرقة المشتهيات وخزى خجلة الفاضحات وحسرة فوت المحبوبات ثم ينتهى الأمر إلى مقاساة النار الجسمانية الحسية والخزي الذل والحقارة والخجلة التحير من الحياء والفاضح الكاشف عيب المجرم يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ظرف للاستقرار الذي تعلق به لدينا والرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة اى تضطرب وتتزلزل بهيبة اللّه وجلاله ليكون علامة لمجيئ القيامة وامارة لجريان حكم اللّه في مؤاخذة العاصين أفرد الجبال بالذكر مع كونها من الأرض