الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
193
تفسير روح البيان
لقيل شدادا وقوله ملئت حرسا حال من مفعول وجدناها ان كان وجدنا بمعنى أصبنا وصادفنا ومفعول ثان ان كان من افعال القلوب اى فعلمناها مملوءة وحرسا تمييز وَشُهُباً عطف على حرسا وحكمه في الاعراب حكمه جمع شهاب وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب هكذا قالوا وقد مر تحقيقه وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ قبل هذا مِنْها اى من السماء مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ خالية عن الحرس والشهب يحصل منها مقاصدنا من استماع الاخبار للالقاء إلى الكهنة أو صالحة للترصد والاستماع وللسمع متعلق بنقعد اى على الوجه الأول اى لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد اى على الثاني اى مقاعد كائنة للسمع وفي كشف الاسرار اى مواضع لاستماع الاخبار من السماء وكان لكل حي من الجن باب في السماء يستمعون فيه ومن أحاديث البخاري عن عائشة رضى اللّه عنها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ان الملائكة تنزل في العنان وهو بالفتح السحاب فتذكر الأمر الذي قضى في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معه مائة كذبة من عند أنفسهم . يقول الفقير وجه التوفيق بين الاستراق من السماء ومن السحاب ان الملائكة مرة ينزلون في العنان فيتحدثون هناك وأخرى يتذاكرون في السماء ولا منع من عروج الشياطين إلى السماء في مدة قليلة للطافة أجسامهم وحيث كانت نارية أو هوائية أو دخانية لا يتأثرون من النار أو الهواء حين المرور بكرتهما ولو سلم فعروجهم من قبيل الاستدراج وللّه في كل شئ حكمة واسرار فَمَنْ شرطية يَسْتَمِعِ الْآنَ في مقعد من المقاعد ويطلب الاستماع والآن اى في هذا الزمان وبعد المبعث وفي اللباب ظرف حالي استعير للاستقبال يَجِدْ لَهُ جواب الشرط والضمير لمن اى يجد لنفسه شِهاباً رَصَداً الرصد الاستعداد للترقب اى شهابا راصدا له ولأجله يصده عن الاستماع بالرجم أو ذوى شهاب راصدين له ليرجموه بما معهم من الشهب على أنه اسم مفرد في معنى الجمع كالحرس فيكون المراد بالشهاب الملائكة يتقدير المضاف ويجوز نصب رصدا على المفعول له وفي الآية إشارة إلى طلب القوى الطبيعية أن تدخل سماء القلب فوجدتها محفوفة بحراس الخواطر الملكية والرحمانية يحرسونها عن طرق الخواطر النفسانية والشيطانية بشهاب نار نور القلب المنور بنور الرب وكان الشهاب والرجم قبل البعثة النبوية لكن كثر بعدها وزاد زيادة بينة حتى تنبه لها الانس والجن ومنع الاستراق أصلا لئلا يلتبس على الناس أقوال الرسول المستندة إلى الوحي الإلهي بأقوال الكهنة المأخوذة من الشياطين مما استرقوا من أقوال أهل السماء ويدل على ما ذكر قوله تعالى فوجدناها ملئت حرسا شديدا فإنه يدل على أن الحادث هو الكمال والكثرة اى زيدت حرسا وشهبا حتى امتلأت بهما وقوله تعالى وانا كنا نقعد منها مقاعد اى كنا نجد فيهما بعض المقاعد حالية عن الحرس والشهب والآن قد ملئت المقاعد كلها فلما رأى الجن ذلك قالوا ما هذا الا لامر أراده اللّه بأهل الأرض وذلك قولهم وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ بحراسة السماء منا أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً اى خيرا وإصلاحا أوفق لمصالحهم والاستفهام لاظهار العجز عن الاطلاع على الحكمة قال بعضهم لعل التردد بينهما مخصص