الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
164
تفسير روح البيان
بالرذائل التي اردأها الجبن والبخل المشار إليهما بقوله وإذا مسه الشر إلخ لمحبة البدن ما يلائمه وتسببه في شهواته ولذاته وانما كانا أردأ لجذبهما القلب إلى أسفل مراتب الوجود وفي التأويلات النجمية يشير إلى هلع الإنسان المستعد لقبول الفيض الإلهي ساعة فساعة ولحظة فلحظة وعدم صبره عن بلوغه إلى الكمال فإنه لا يزال في طريق السلوك يتعلق باسم من الأسماء الإلهية ويتحقق به ويتخلق ثم يتوجه إلى اسم آخر إلى أن يستوفى سلوك جميع الأسماء إذا مسه الشر الفترة الواقعة في الطريق يجزع ويضطب ويتقلقل ولا يعلم أن هذه الفترة الواقعة في طريقه سبب لسرعة سلوكه وموجب لقوة سيره وطيرانه وإذا مسه الخير من الواهب الذاتية والعطايا الاسمائية يمنع من مستحقيه ويبخل على طالبيه إِلَّا الْمُصَلِّينَ استثناء من الإنسان لأنه في معنى الجمع للجنس وهذا الاستثناء باعتبار الاستمرار أي ان المطبوعين على الصفات الرذيلة مستمرون عليها الا المصلين فإنهم بدلوا تلك الطبائع واتصفوا بأضدادها الَّذِينَ هُمْ تقديم هم يقيد تقوية الحكم وتقريره في ذهن السامع كما في قولك هو يعطى الجزيل قصدا إلى تحقيق انه يفعل إعطاء الجزيل عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ لا يشغلهم عنها شاغل فيواظبون على أدائها كما روى عن النبي عليه السلام أنه قال أفضل العمل أو دمه وان قل وقالت عائشة رضى اللّه عنها كان عمله ديمة قدم الصلاة على سائر الخصال لقوله عليه السلام أول ما افترض اللّه على أمتي الصلوات الخمس وأول ما يرفع من أعمالها الصلوات وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فان صلحت فقد أفلح وأنجح وان فسدت فقد خاب وخسر وانها آخر ما يجب عليه رعايته فإنه يؤخر الصوم في المرض دون الصلاة الا ان لا يقدر على التميم والإيماء ولذا ختم اللّه الخصال بها كما قال والذين هم على صلاتهم يحافظون وكان آخر ما أوصى به عليه السلام الصلاة وما ملكت ايمانكم وفي الآية إشارة إلى صلاة النفس وهي التزكية عن المخالفات الشرعية وصلاة القلب وهي التصفية عن الميل إلى الدنيا وشهواتها وزخارفها وصلاة السر وهي التخلية عن اثر كون إلى المقامات العلية والمراتب السنية وصلاة الروح وهي بالمكاشفات الربانية والمشاهدات الرحمانية والمعاينات الحقانية وصلا الخفي وهي بالفناء في الحق والبقاء به فالكمل يداومون على هذه الصلوات وَالَّذِينَ اى والا الذين فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ اى نصيب معين يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى اللّه تعالى وإشفاقا على الناس من الزكاة المفروضة الموظفة لِلسَّائِلِ اى للذي يسأل ومن كان له قوت يوم لا يحل له السؤال واما حكم الدافع له عالما بحاله فكان القياس ان يأثم لأنه إعانة على الحرام لكنه يجعله هبة ولا اثم في الهية للغنى وله ان يرده برد جميل مثل ان يقول آتاكم اللّه من فضله وَالْمَحْرُومِ الذي لا يسأل اما حياء أو توكلا فيظن انه غنى فيحرم وفيه إشارة إلى أحول الحقائق والمعارف الحاصلة من رأس مال الأعمال الصالحة والأحوال الصادقة ففيها حق معلوم للسائل وهو المستعد للسلوك والاجتهاد فينبغي ان يفيض عليه ويرشده إلى طلب الحق والمحروم هو المرمى الساقط على ارض العجز بسبب الأهل والعيال والاشتغال بأسبابهم فيسليهم ويطيب قلوبهم