الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
156
تفسير روح البيان
وذلك لان للّه تعالى في كل موجود تجليا ووجها خاصا به يحفظه فنزول الملائكة وعروجهم دائما إلى الحق لعدم تحيزه وكل ما كان اليه فهو عروج وان كان في السفليات لأنه هو العلى الأعلى فهو صفة علو على الدوام وجعلت أجنحة الملائكة للهبوط عكس الطائر عبرة ليعرف كل موجود عجزه وعدم تمكنه من تصرفه فوق طاقته التي أعطاها اللّه له فالملائكة إذا نزلت نزلت بجناحها وإذا علت علت بطبعها والطيور بالعكس فاعلم ذلك وكذلك يكون عروجهم ونزولهم اى يقع في اليوم الطويل الذي هو يوم القيامة لاجراء احكام اللّه على ما شاء وإنفاذ امره على مقتضى علمه وحكمته وهو مقدار خمسين الف سنة من سنى الدنيا ودل على مدة هذا اليوم قوله عليه السلام ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها الا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم اى مرة ثانية ليشتد حرها فيكون بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له اى لمكيه إلى نار جهنم في يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله اما إلى الجنة اى ان لم يكن له ذنب سوه أو كان ولكن اللّه عفا عنه واما إلى النار اى ان كان على خلاف ذلك رواه مسلم ( وروى ) ان للقيامة خمسين موقفا يسأل العبد في كل منها عن امر من أمور الدين فإن لم يقدر على الجواب وقف في كل موقف بمقدار اليوم الإلهي الذي هو الف سنة ثم لا ينتهى اليوم إلى ليل اى يكون وقت أهل الجنة كالنهار ابدا ويكون زمان أهل النار كالليل ابدا إذ كما لا ظلمة لأهل النور كذلك لا نور لأهل الظلمة وفيه تذكير للعاقل على أن يوم القيامة إذا كان أوله مقدار خمسين الف سنة فماذا آخره ثم هذا الطول في حق الكافر والعاصي لا المؤمن والمطيع لما روى أبو سعيد الخدري رضى اللّه عنه انه قيل لرسول اللّه عليه السلام ما أطول هذا اليوم فقال عليه السلام والذي نفسي بيده انه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا وفي التمثيل بالصلاة إشارة إلى وجه آخر لسر العدد وهو ان الكافر أضاع الصلاة وهي في الأصل خمسون صلاة فكأنه عذب بكل واحدة منها الف سنة ولهذا السر يكلف يوم القيامة بالسجود لا بغيره ولا يلزم من وجود هذا اليوم بهذا الطول ومن عروج الملائكة في أثنائه إلى العرش أن يكون ما بين أسفل العالم وأعلى سرادقات العرش مسيرة خمسين الف سنة لان المراد بيان طول اليوم عروج الملائكة ونزولهم في مثل هذا اليوم إلى العرش ومنه لتلقى امره وتبليغه إلى محله مرار أو كرارا لا بيان طول المعارج لان ما بين مركز الأرض ومقعر السماء مسيرة خمسمائة عام وتخن كل واحدة من السماوات السبع كذلك فيكون المجموع تسعة آلاف إلى العرش اى بالنظر الظاهري والا فهي أزيد من ذلك بل من كل عدد متصور كما ستجيئ الإشارة اليه وقول من قال جعل ما بين الكرسي والعرش كما بين غيرهما غير موجه لما في الحديث الصحيح ان في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض فيكون بين الكرسي الذي هو صحن الجنة وبين العرش الذي هو سقف الجنة خمسمائة سنة مائة مرة أولها من ارض الكرسي إلى الدرجة السافلة