الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
143
تفسير روح البيان
أن تدنو إلى فيه دنت بخلاف ثمار الدنيا فان في قطفها وتحصيلها تعبا ومشقة غالبا وكذا لا تؤكل الا بمزاولة اليد . يقول الفقير أشجار الجنة على صورة الإنسان يعنى ان أصل الإنسان رأسه وهي في طرف العلو ورجله فرعه مع أنها في طرف السفل فكذلك أصول أشجار الجنة في طرف العلو وأغصانها متدلية إلى جانب السفل ولذا لا يرون تعبا في القطف على أن نعيم الجنة تابع لإرادة المتنعم به فيصرف فيه كيف يشاء من غير مشقة كُلُوا وَاشْرَبُوا بإضمار القول والجمع بعد قوله فهو باعتبار المعنى والأمر امر امتنان وإباحة لا امر تكليف ضرورة ان الآخرة ليست بدار تكليف وجمع بين الاكل والشرب لان أحدهما شقيق الآخر فلا ينفك عنه ولذا لم يذكر هنا الملابس وان ذكرت في موضع آخر يقال لمن اوتى كتابه بيمينه كلوا من طعام الجنة وثمارها واشربوا من شرابها مطلقا هَنِيئاً أكلا وشربا هنيئا اى سائغا لا تنغيص فيه في الحلقوم وبالفارسية خوردنى وآشاميدنى كوارنده . وجعل الهنيء صفة لهما لان المصدر يتناول المثنى أيضا من هنؤ الطعام والشراب وهنئ يهنأ ويهنؤ ويهنئ هناءة وهناء اى صار هنيئا سائغا فهو هنيئ ومنه اليهنئ المشتهر في اللسان التركي في اللحم المطبوخ ويستعمله العجم بالخاء المعجمة بدل الهاء كما قال في المثنوى وين پزاز بهر ميان روز را * يخنئ باشد شه فيروز را واسناد الهناءة إلى الاكل والشرب مجاز للمبالغة لأنها للمأكول والمشروب وقولهم هنيئا عند شرب الماء ونحوه بمعنى صحة وعافية لان السائغ محظوظ منه بسبب الصحة والعافية غالبا بِما أَسْلَفْتُمْ بمقابلة ما قدمتم من الأعمال الصالحة أو بدله أو بسببه ومعنى الاسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالاقراض ومنه يقال أسلف في كذا إذا قدم فيه ماله فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ اى الماضية في الدنيا وعن مجاهد أيام الصيام فيكون المعنى كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الاكل والشرب لوجه اللّه في أيام الصيام لا سيما في الأيام الحارة وهو الأولى لان الجزاء لا بد وان يكون من جنس العمل وملائما له كما قال بعض الكبار لم يقل اشهدوا ولا اسمعوا وانما جوزوا من حيث عملوا ونظيره فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وقوله ان تسخروا منا فانا نسخر منكم ونظائر ذلك ورؤى بعضهم في المنام فقيل له ما فعل اللّه بك فقال رحمني وقال كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب فلم يقل كل يا من قطع الليل تلاوة واشرب يا من ثبت يوم الزحف فان هذا ما لا تعطيه الحكمة كما في مواقع النجوم ( وروى ) يقول اللّه يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . قوله قلصت من الباب الثاني يقال قلص الظل اى نقص والماء اى ارتفع في البئر والشفة اى انزوت والثوب اى انزوى بعد الغسل ومصدر الجميع القلوص والتركيب يدل على انضمام شئ بعضه إلى بعض وخمصه الجوع خمصا ومخمصة من الباب الأول يعنى باريك ميان كرد ويرا كرسنكى . وفيه إشارة إلى أيام الأزل الخالية عن الأعمال والعلل والأسباب اى كلوا من نعيم الوصال واشربوا من شراب الفيض بما اسلفه اللّه لكم في الأزل