الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

131

تفسير روح البيان

تأكيدا لهولها كما يقال زيد ما زيد على التعظيم لشأنه فقوله الحاقة مبتدأ وما مبتدأ ثان وما بعده خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول والرابط تكرير المبتدأ بلفظه هذا ما ذكروه في اعراب هذه الجملة ونظائرها ومقتضى التحقيق أن تكون ما الاستفهامية خبرا لما بعدها فان مناط الفائدة بيان أن الحاقة امر بديع وخطب فظيع كما يفيده كون ما خبرا لا بيان ان امرا بديعا الحاقة كما يفيده كونها مبتدأ وكون الحاقة خبرا كذا في الإرشاد وَما أَدْراكَ من الدراية بمعنى العلم يقال دراه ودرى به اى علم به من باب رمى وأدراه به اعلمه قال في تاج المصادر الدراية والدرية والدري دانستن ويعدى بالباء وبنفسه قال سيبويه وبالباء أكثر قوله ما مبتدأ وادراك خبره ولا مساغ هاهنا للعكس والمعنى واى شئ أعلمك يا محمد وبالفارسية وچه چيز دانا كردانيد ترا مَا الْحَاقَّةُ جملة من مبتدأ وخبر في موضع المفعول الثاني لأدراك والجملة الكبيرة تأكيد لهول الساعة وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علم المخلوقات على معنى ان أعظم شأنها ومدى هولها وشدتها بحيث لا يكاد تبلغه دراية أحد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك وأعظم فلا يتسنى الاعلام قال بعضهم ان النبي عليه السلام وان كان عالما بوقوعها ولكن لم يكن عالما بكمال كيفيتها ويحتمل أن يقال له عليه السلام اسماعا لغيره وفي التأويلات النجمية يشير بالحاقة إلى التجلي الاحدى الاطلاقي في مرءاة الواحدية المفنى للكل كما قال لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار بقهر سطوات أنوار الأحدية جميع ظلمات التعينات الساترة اطلاق الذات المطلقة وسمى بالحاقة لثبوته في ذاته وتحققه في نفسه كَذَّبَتْ ثَمُودُ قوم صالح من الثمد وهو الماء القليل الذي لا مادة له وَعادٌ قوم هود وهي قبيلة أيضا وتمنع كما في القاموس بِالْقارِعَةِ من جملة أسماء الساعة أيضا لأنها تقرع الناس اى تضرب بفنون الافزاع والأهوال اى تصيبهم بها كأنها تقرعهم بها والسماء بالانشقاق والانفطار والأرض والجبال بالدك والنسف والنجوم بالطمس والانكدار ووضعت موضع ضمير الحاقة للدلالة على معنى القرع فيها زيادة في وصف شدتها فان في القارعة ما ليس في الحاقة من الوصف يقال أصابتهم قوارع الدهر أي أهواله وشدائده قيل منها قوارع القرآن للآيات التي تقرأ حين الفزع من الجن والانس لقرع قلوب المؤذين بذكر جلال اللّه والاستمداد من رحمته وحمايته مثل آية الكرسي ونحوها وفي الآية تخويف لأهل مكة من عاقبة تكذيبهم بالبعث والحشر فَأَمَّا ثَمُودُ وكانوا عربا منازلهم بالحجر بين الشام والحجاز يراها حجاج الشام ذهابا وإيابا فَأُهْلِكُوا اى أهلكهم اللّه لتكذيبهم فأخبر عن الفعل لأنه المراد دون الفاعل لأنه معلوم بِالطَّاغِيَةِ اى بالصيحة التي جاوزت عن حد سائر الصيحات في الشدة فرجفب منها الأرض والقلوب وتزلزلت فاندفع ما يرى من التعارض بين قوله تعالى فأخذتهم الرجفة وبين قوله تعالى فأخذتهم الصيحة والقصة واحدة وفي الآية إشارة إلى أهل العلم الظاهر المحجوبين عن العلوم الحقيقية فإنهم أهل العلم القليل كما أن ثمود أهل الماء القليل فلما كذبوا فناء أهل العلم الباطن من طريق السلوك أهلكهم اللّه بصاعقة نار البعد والاحتجاب فليس لهم صلاح في الباطن وان كان لهم صلاح